حسن الأمين

8

مستدركات أعيان الشيعة

وكان لآل ( الصحاف ) وجود مرموق في ( الأحساء ) و ( الكويت ) ، كما لهم امتداد في كل من ( البحرين ) و ( القطيف ) و ( سوق الشيوخ ) من العراق . والمترجم واحد من ثلاثة إخوة ، كلهم علماء أجلاء ، ثانيهم الشيخ حسين الصحاف ، وثالثهم الشيخ كاظم الصحاف الشاعر الكبير المعروف ، وآباء المترجم أيضا وأجداده كلهم من العلماء والشعراء . ونحن لا نعلم عن مولده شيئا ، غير أنه عاش جل حياته في ( الكويت ) ، حيث كان يعيش فيها أبوه وجده ، ولعله ولد بها ، وفي ( الكويت ) أيضا تلقى جل دروسه العلمية على والده الشيخ علي وجده الشيخ محمد ، حتى أصبح في عداد العلماء الفضلاء . وكان جده الشيخ محمد الصحاف مرشدا دينيا في ( الكويت ) ، ووكيلا من قبل المرجع الديني الشيخ محمد حسين أبو خمسين ، فلما توفي الشيخ الصحاف سنة 1313 انتخب حفيده - صاحب الترجمة - ممثلا ووكيلا في جميع الشؤون الدينية عن الشيخ أبو خمسين المذكور . وبعد برهة يسيرة من الزمن قرر المترجم مغادرة ( الكويت ) والتوجه إلى النجف الأشرف ، للحصول على رتبة أعلى في العلم ، وكان ذلك - على ما يبدو - بعد وفاة المرجع الشيخ محمد حسين أبو خمسين سنة 1316 ، وفي النجف الأشرف حط المترجم رحله ، وعاد يواصل دراسته العلمية . ولولا أن الموت عاجله لتقدم وفاق ، إذ توفي قبل أن يتجاوز عهد الشباب . علمه وفضله وذكره أخوه الشيخ كاظم الصحاف في كتابه ( تذكرة الأشراف ) وصرح : بأنه كان عالما فاضلا مراهقا للاجتهاد ، وقال في شانه أيضا : « وكان الشيخ أحمد مع ارتقائه في العلم تقيا ، عابدا ، زاهدا ، متهجدا ، وكاتبا ماهرا ، وشاعرا باهرا » . له ديوان شعر مخطوط يحتوي على جملة من القصائد في مدح النبي ( ص ) وأهل بيته الكرام . ( 1 ) مسكويه أحمد بن محمد مرت ترجمته في الصفحة 158 من المجلد الثالث ، وننشر هنا ما كتبه عنه محمد حسين ظاظا : نعرض اليوم بايجاز لفيلسوف إسلامي ، أخرج للناس دستورا إيجابيا أخلاقيا طريفا قوامه المنطق الصحيح والذوق السليم ، بحيث لو تبعوه في حياتهم لنالوا به السعادة الحق دنيا وآخرة . ونعني به الفيلسوف « أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه » صاحب « كتاب تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق » ، وهو الكتاب المعروف الذي نصح الامام « محمد عبده » بتدريسه في الأزهر إلى جانب الأحياء للغزالي ، والذي قام « علي باشا رفاعة » بنشره وتبويبه ، والذي شرع « سعد زغلول » في اختصاره والتعليق عليه دون أن يتمه . 1 - عصره عاش ابن مسكويه ( 2 ) في العصر العباسي ، الذي يمتاز بشدة ضعف الخلافة العباسية ، وبقيام دويلات لا يعترف أكثرها للخليفة بغير السلطة الاسمية . ويهمنا من هذه الدويلات الدولة البويهية ( 320 - 447 ه‍ ) لأن ابن مسكويه عاش ومات في كنفها . وكان ملوكها يحبون العلم والأدب ولا يستوزرون أو يستكتبون إلا عظماء الأدباء كالمهلبي وابن العميد وابن عباد وغيرهم . وكانت مجالسهم أبدا حافلة بكبار الشعراء والعلماء والفلاسفة ومن على شاكلتهم . لذلك لا عجب أن يمتاز هذا العصر بنضج العلم ، وتكوين المعاجم اللغوية ، واستقرار الإنشاء على أسلوب مثالي . ولا عجب أن تنمو الفلسفة وتزهر ، وتستقر قواعد الطبيعيات والطب ، ويتسع خيال الشعراء ، ويظهر الشعر الفلسفي ، وينمو فن التاريخ والجغرافيا ، ويظهر النقد الأدبي ، وتؤلف القصص المجازية ، وتنتشر المكاتب حاوية لألوف المخطوطات ، أجل ولا عجب أن يظهر أمثال ابن سينا ، وابن مسكويه ، والهمذاني ، والخوارزمي ، والمتنبي ، وأبي فراس ، والأصفهاني ، والقالي والثعالبي ، والتوحيدي ، والصابي ، والشريف الرضي ، والتنوخي ، والطبري . 2 - حياته وعسير جدا أن نتلمس حياته فيما ترك من كتب أو فيما ذكر عنه الكتاب والمؤرخون . وكل ما قد استطعنا كشفه من المؤلفات والتراجم العديدة التي أطلعنا عليها ، هو أنه ولد حوالي عام 330 هومات في 9 صفر سنة 421 ه‍ ( 16 فبراير سنة 1030 م ) ، وكان مولده « بالري » في أسرة فارسية شريفة . وسرعان ما يترك والده أمه ، فيبقى هو راعيا لها حتى تتزوج بغير أبيه ، فيتركها وينزح إلى بغداد شابا . وهناك يتصل بالوزير « المهلبي » حوالي سنة 348 هويدخل في خدمته ككاتم لسره ، ويبقى إلى جانبه ينادمه ويسامره حتى عام 352 ه‍ ، وهو عام وفاة الوزير ، ومن ثم يعود إلى الري حيث يلتحق بخزانة الوزير العظيم « ابن العميد » وينال ثقته ومحبته وصداقته ، ويبقى معه حتى عام سنة 360 هلينتقل بعد وفاته إلى خدمة ولده الوزير « أبي الفتح » . وقد بقي في خدمة هذا الشاب حتى تنكر له الدهر ودخل الوزير السجن سنة 366 ه‍ . ثم التحق بعدئذ بخدمة « عضد الدولة » الذي استولى على بغداد ، كما التحق بعده بخدمة صمصام الدولة وشرفها حتى عام 379 ه‍ ، وهو العام الذي دخل فيه في خدمة « بهاء الدولة » واختص به وعظم قدره عنده . وهكذا انتقل ابن مسكويه من خدمة وزير إلى سلطان ، حتى هرم وشعر بدنو الموت ، فانتقل كما يقول صاحب « روضات الجنات » إلى « أصبهان » حيث مات عام 421 ه‍ . 3 - ثقافته وأخلاقياته وقد تثقف ثقافة أدبية واسعه ، ونهل من مجالس العلم ومكتباته ، وعنى عناية خاصة بالأخلاق فدرس حكمها عند الفرس والعرب والهنود والروم ، وجمع ما راقه من هذه الحكم وأخرجه في كتاب لا يزال مخطوطا . هذا إلى أنه قرأ ما قد خلفه أرسطو وأفلاطون وجالينوس في هذه الناحية ومحصه تمحيصا . وكأنما دفعته تربيته العائلية السليمة ، وقلبه الكبير الحي ، وتجربته الأليمة في مجالس السلاطين والوزراء ، إلى إنقاذ عصره والعصور التي تليه من السياسة الخرقاء والأخلاق المعتلة ، فراح يقرأ في الأخلاق ويؤلف ، ويخرج للناس كتبا فيها من المنطق الصحيح ما يهديهم إلى « كمالهم الإنساني » ، ويأخذ بيدهم إلى طريق الفضائل والعلوم لتتم لهم السعادة التي ينشدونها عبثا في تلك الخيرات الوهمية الخارجية ، خيرات « الكون والفساد » . وقد تجلت هذه النزعة فيما ترك من عهد عاهد فيه نفسه « أن يجاهدها ويتفقد أمرها ما استطاع ، فيعف ويشجع ويحكم ، ويقتصد

--> ( 1 ) السيد هاشم الشخص من كتابه المخطوط ( أعلام هجر ) . ( 2 ) هو مسكويه لا ابن مسكويه ، كما يكرر الكاتب « ح » .