حسن الأمين

367

مستدركات أعيان الشيعة

ولاء حسبما تقتضيه المصلحة . وإذا كان الإنكليز يقولون في هذا العصر : بان لا صداقة دائمة ولا عداوة في السياسة ، فقد كان هذا هو التطبيق العملي للناس جميعا منذ وجدت السياسة حتى اليوم . ولما ذا يريد الدكتور منيمنة أن ينفرد البويهيون من بين سياسيي العالم بفضيلة الثبات على الصداقة مهما تعارض هذا الثبات مع المصلحة ؟ فإذا لم ينفردوا بها كان ذلك عنده دليلا على التشكيك في ولائهم الديني . . ثم يتساءل عن مقدار تدينهم ، كأنما المطلوب أن يكونوا أئمة جمعة وجماعة . ويذكر أن ابن الجوزي نقل ما يدل على جهل معز الدولة بأمور الدين ، كأننا نقول أن معز الدولة فقيه الأمة ومرجعها في الفتيا . ويقول أن ابن الجوزي نقل أيضا ما يدل على جهل معز الدولة نفسه حتى بسيرة حياة الإمام علي ، كأننا نقول أن معز الدولة كان أستاذا للتاريخ في الجامعة على اننا لا نبرئ ابن الجوزي من الافتراء على البويهيين . ونحن نسأل الدكتور منيمنة هل بين الملوك السلاجقة من كان أعلى درجة من البويهيين سواء في مقدار التدين أم في الفقه وفي التاريخ ، وهل يقدح ذلك عنده في أيمانهم ؟ ثم يقول : أن مسكويه قال أن لعلي بن بويه مجلس شراب ، وأن هذا كان حال أخيه معز الدولة . . . ونقول : إذا كان لمن كانوا يحملون لقب ( أمير المؤمنين ) مجالس شراب ، فهل نستغرب أن يكون لمن دونهم مثل هذه المجالس ؟ ولا يرى الدكتور منيمنة إيصاء الرجل بان يدفن في بعض الضرائح ما يدل على التدين . ونقول له : أن هذا أكبر [ ذليل ] دليل على التدين ، فغير المتدين لا يهمه أين يدفن . وعن ركن الدولة البويهي يقول ابن الأثير : كان حليما كريما واسع الكرم كثير البذل ، حسن السياسة لرعاياه وجنده . رؤوفا بهم عادلا في الحكم بينهم ، متحرجا من الظلم ، مانعا لأصحابه منه ، عفيفا عن الدماء يرى حقنها واجبا وكان يحامي على أهل البيوتات وكان يجري عليهم الأرزاق ويصونهم عن التبذل ، وكان يقصد المساجد الجامعة في أشهر الصيام للصلاة وينتصب للمظالم ، ويتعهد العلويين بالأموال الكثيرة ، ويتصدق بالأموال الجليلة على ذوي الحاجات ويلين جانبه للخاص والعام . ثم يختم ابن الأثير وصفه له بقوله : رضي الله عنه وأرضاه . هذه صورة وضاءة عن الحكم البويهي جلاها لنا ابن الأثير ، وإذا لم تكن هذه صفات المؤمن المتدين الثابت على العقيدة ، فكيف تكون صفاته ؟ وحين يدعو ابن الأثير لركن الدولة البويهي بقوله : رضي الله عنه ، فهو يقرنه بكبار الصحابة الذين يدعى لهم وحدهم بهذا الدعاء . وإذا كان هذا رأي المؤرخين القدماء في واحد من أحكام البويهيين فلنستمع إلى رأي مؤرخين حديثين في حكم البويهيين : يرى الأستاذ حسن أحمد محمود الشريف في كتابه ( العالم الإسلامي في العصر العباسي ) أن العصر البويهي هو عصر « حرية المذاهب » ويستند إلى أقوال الصاحب بن عباد في رسائله حيث يقول : « وقد كتبت في ذلك كتابا أرجوه أن يجمع على الألفة ويحرس من الفرقة وينظم على ترك المنازعة والجنوح إلى الموادعة ، فان المهادنة تجمل بين الملتين فكيف بين النحلتين » . ويعلق على ذلك الدكتور فاروق عمر وهو ينقل هذا الكلام في كتابه ( الخلافة العباسية في عصر الفوضى العسكرية ) قائلا : « على أن لهذه السياسة جانبها الايجابي حيث لجات المذاهب المتنازعة إلى المنطق والفلسفة وعلم الكلام لتأييد آرائها ، فحدثت نهضة علمية وكثرت التصانيف في المناظرات وأسست دور العلم » . استدراك على المستدركات السيد سعيد صالح مر بحث عنه في المجلد الأول من المستدركات ثم بحث ثان في هذا المجلد ، وقد عثرنا بعد ذلك على كلمة كان قد نشرها عبد القادر البراك بعد وفاة سعد تتضمن قصيدة من قصائده هي التالية : كان من جناية السياسة على الأدب في حياة السيد سعد صالح أن حجبت خطبه ومقالاته السياسية وتقاريره المعتمدة عن مشاكل ( المحافظات ) التي تولى ادارتها ، موهبته كشاعر مطبوع كان بمقدوره لو انقطع للشعر أن يقف كتفا إلى كتف بجانب كبار شعراء العراق في مطلع القرن العشرين . فلقد هيات بيئة النجف الشعرية ( سعدا ) لأن يكون في عداد شداة الشعر ، كما أن ملكاته المتعددة قد جعلته قادرا على أن يودع عواطفه الجياشة ، ومعانيه الرائعة ، وتطلعاته الوطنية والقومية في قوالب من الشعر ، تميزه عن سواه من شعراء الفترة التي لمع فيها اسمه بين رواد الآداب ، فلقد قصد القصائد المطولة فكانت ديباجته فيها معيدة للأسماع والقلوب الديباجة العباسية التي تلت مدرسة ( الشريف الرضى ) ، ونظم الموشحات والأناشيد في مختلف الأغراض الوطنية والوجدانية فكان خاتمة أمثاله بين كبار الوشاحين على قلة ما هو ميسور مما نظمه ونشره . ولقد سبق لي نشر فصل ضاف عن شاعرية ( سعد صالح ) في جريدة الحرية في الخمسينات ، ولقد صح عزمي على الإفاضة فيما كتبت مستعينا بما وقفت عليه من قصائده وأناشيده ، وما استقر في ذهني من آراء وأحكام به وبارائه . وإلى أن يحين الوقت لظهور هذه الدراسة لا بد لي من أن أطرف القراء بقصيدة هي واحدة من آثار عراقية كثيرة حفلت بها خزانة الأستاذ مصطفى علي ، وقد بعث بها إليه سعد صالح من الكويت ، أثر مهاجرته إليها بعد أن أجهض الاستعمار البريطاني وأعوانه ثورة 1920 الخالدة وشرعوا بمطاردة الأحرار الذين ساهموا فيها وكان الشاعر في الطليعة منهم . ذلك أن السيد سعد صالح كان طالبا في دار المعلمين ، فلما اندلعت الثورة غادر مقاعد الدراسة ليحتل موقعه في خنادقها ، صادحا بشعره بأهدافها ومقاصدها التحررية ، ومساهما بالكفاح الفعلي مع صفوف المجاهدين ، وقد أدى دوره كاملا ، ولكن ملاحقة السلطات له ولإخوانه المناجيد المساعير اضطرته إلى الفرار مما كان ينتظره من انتقام تعرض له الكثير من أمثاله . ومن الكويت ، البلد الذي اختاره منفى اختياريا له ، شرع الشاعر بإرسال