حسن الأمين

357

مستدركات أعيان الشيعة

أخيه العادل وخربها وبقيت خرابا إلى أن تقررت الهدنة بين الملك الناصر ( صلاح الدين ) وبين الفرنج وشرطوا عليه إبقاءها في أيديهم » . ولنلاحظ هنا كلمة ( شرطوا عليه ) ودلالتها المؤلمة التي توضح لنا أن صلاح الدين هو المتوسل لطلب الهدنة وأن الفرنج هم واضعو الشروط . ليس ما ذكرناه هنا كل النصوص لهذه الحقائق ، ولم نخترها اختيارا ، وإنما عمدنا إلى أول كتاب وقع عليه نظرنا في خزانة الكتب فتناولناه فكان كتاب ( الأعلاق الخطيرة ) . وتلا هذا التسليم للصليبيين فعل أنهى كل تفكير في مقاومتهم وأجلائهم عن البلاد في المستقبل ، بل أدى إلى ما هو شر من ذلك أدى إلى توسيع رقعة احتلالهم ، وتمكينهم في مناطق أخرى غير التي مكنهم منها صلاح الدين نفسه . كان ورثة صلاح الدين من أخ وأولاد كثيرين فرأى أن يقسم البلاد بينهم ، وأن يقطع كل واحد منهم جزءا من الوطن يستقل به عن غيره ، وهكذا فلم يكد يموت صلاح الدين حتى انفرد كل واحد من إخوته وأولاده بالرقعة التي خصصت به ، فعاد الوطن مزقا بين الورثة ، ونسي هو ونسي ورثته أن الاحتلال الصليبي لا يزال جاثما على صدر الوطن ، وأن ذلك لا يستدعي تمزيق الوطن وتشتيت شمل حكامه ، بل يستدعي تماسك وحدته وتضافر أمرائه ، ولم يقنع كل واحد من هؤلاء الورثة بما تحت يده من مخلفات صلاح الدين بل راحوا يتنازعون ويتقاتلون ، ويستنصرون في هذا التنازع والتقاتل بالصليبيين مغرين إياهم باعطائهم ما يشاؤن من بلاد وعباد ! ولن نسترسل في تفاصيل تلك النزاعات وتلك الأعطيات ، بل سنكتفي بذكر واحدة منها هي الطامة الكبرى التي قضت على كل ثمرة من ثمرات معركة حطين ، وأضاعت كل نتيجة من نتائجها ، وجعلتها كأنها لم تكن . فإذا كان استرداد القدس على يد صلاح الدين قد اكسب ذلك الزمن كل ذلك التالق وأعطاه كل ذلك الوهج ، ثم خدر الأفكار والعقول وأعماها عن التبصر في الحقائق ، فان تصرف صلاح الدين نفسه قد أطفأ ذلك الألق ومحا ذلك الوهج ، وإن لم يبطل مفعول المخدر ، فكان من تقسيمه البلاد بين أقربائه وما نتج من تنازعهم وتشاكسهم واستنصارهم بعضهم على بعض بالصليبيين ، أن ولدي أخيه العادل وهما الكامل والأشرف سلما إلى الصليبيين القدس نفسها وأعاداهم إليها . وهكذا إذا كان الانتصار في معركة حطين يثير في النفس البهجة ، فان البهجة لا تلبث أن تتلاشى حين نتذكر التصرفات التي أعقبت المعركة وذهبت معها دماء المقاتلين هدرا وفي سبيل لا شيء . وقد رد علي راد فرددت عليه بما يلي : الواقع أني كنت رفيقا كل الرفق بصلاح الدين الأيوبي ، وتعمدت أن لا أصدم ( المخدرين ) صدمات قوية فاجعة ، لا ترك لهم منفذا ولو كسم الخياط يتعللون به في مرور 800 سنة على معركة حطين . يقول هاشم الأيوبي : « فهذه السنوات القصيرة بين حطين ووفاة صلاح الدين كانت جهادا متواصلا أكملها من جاؤوا بعده حتى تسنى لهم طرد الصليبيين نهائيا » . ونقول له : كلا ، أنها كانت استسلاما متواصلا ، ونتحداه أن يذكر لنا معركة واحدة جرت بعد استسلام صلاح الدين وتسليمه البلاد للصليبيين . نعم نتحداه ونقول له : إن تلك السنوات كانت استسلاما في استسلام وهوانا في هوان ، وأن سهما واحدا لم يرم ، ورمحا واحدا لم يشرع ، وسيفا واحدا لم يجرد في تلك المدة في وجه الصليبيين . . . نقول هذا في تحد صارم لا هوادة فيه . وقد كنت أحسب أنه بقي للخجل مكان فيمتنع سليل الأيوبيين - إن صح أنه من سلالتهم - عن القول أن الجهاد المتواصل أكمله من جاؤوا بعد صلاح الدين حتى تسنى لهم طرد الصليبيين . ان الذين جاؤوا بعد صلاح الدين من أسلافك قد واصلوا المهمة ، ولكن لا مهمة الجهاد بل مهمة الاستسلام والذل ، مهمة تسليم البلاد للصليبيين : ولن نعدد كل أفعالهم بل سنورد له أمرين اثنين فقط . أن الذي فعله صلاح الدين هو أنه سلم فلسطين كلها للصليبيين ما عدا القدس ، وأعاد إليهم ما كان قد أخذه منهم بعد معركة حطين كما بيناه في مقال سابق . ولم يبق في يده إلا بعض ما يعرف اليوم بالجمهورية اللبنانية ما عدا صور التي ظل الصليبيون متمسكين بها . أما الذين جاؤوا بعد صلاح الدين فقد تنازلوا للصليبيين حتى عن هذا الذي بقي بيد صلاح الدين من لبنان والسواحل السورية . فالكامل والأشرف مثلا سلما القدس للملك الصليبي فريدريك الثاني وهل يعتبر هاشم الأيوبي تسليم القدس للصليبيين جهادا متواصلا ؟ وقد مر تسليم خلفاء صلاح الدين القدس للصليبيين بالأدوار التالية : 1 : - بعد تسليم الكامل والأشرف القدس للملك الصليبي فريدريك الثاني سنة 655 ه‍ ( 1228 م ) ظلت في يد الصليبيين حتى استردها منهم الناصر صاحب الكرك سنة 637 ه‍ ( 1239 م ) . 2 : - استنجد الصالح إسماعيل صاحب دمشق بالصليبيين ليساعدوه على ابن أخيه الصالح أيوب صاحب مصر ، وعلى الناصر داود صاحب الكرك ( مسترد القدس ) . وأعاد إليهم لقاء ذلك القدس 641 1244 م ، كما سلمهم صفد وعسقلان وطبرية وأعمال كل منهما ، وجميع جبل عامل بما منه قلاع هونين وتبنين والشقيق ومدينة صيدا أو سائر بلاد الساحل ، وهكذا عادت القدس مرة ثانية إلى الصليبيين . ووعد الصالح إسماعيل الصليبيين أيضا بأنه إذا ملك مصر أعطاهم بعضها . فاستعد الصليبيون لمهاجمة مصر وزحفوا إلى غزة ، في حين كون الصالح إسماعيل حلفا من بعض الملوك الأيوبيين في شمال الشام وزحفوا جميعا إلى حلفائهم الفرنج عند غزة . أما الصالح نجم الدين أيوب فقد تقدم من مصر إلى غزة لمواجهة هذا الهجوم . ولما بين لعساكر الشام حقيقة الموقف تمردوا على قوادهم ومالوا على الفرنج مع الصالح أيوب فالتزم الفرنج وانسحبوا إلى عسقلان ، وفاوضوا الصالح أيوب سنة 638 1240 م فاعترف لهم بحقهم في ملكية الشقيق ونهر الموجب ( أرنون ) وإقليم الجليل بالإضافة إلى القدس وبيت لحم ومجدل بابا وعسقلان . وهكذا فلم يكن الصالح أيوب خيرا من الصالح إسماعيل . وهنا تحالف الصالح إسماعيل مع الناصر داود واستنجدا من جديد بالصليبيين مقابل جعل سيطرتهم على القدس كاملة ، بمعنى أن يستولي الصليبيون على الحرم الشريف بما فيه المسجد الأقصى وقبة الصخرة ، وهي الأماكن التي طلت ، ولو نظريا في حوزة المسلمين عندما سلم الكامل ولأشرف القدس للصليبيين سنة 625 1228 م . وهنا تقدم الصالح أيوب إلى الصليبيين طالبا مساعدتهم مقابل الثمن نفسه