حسن الأمين

326

مستدركات أعيان الشيعة

جملية مستحدثة ترمز إلى العبارات كرمز الحروف إلى المواد الكيميائية كقولهم « سبحل فلان أي قال سبحان الله ، وحوقل : قال لا حول ولا قوة إلا بالله ، وطلبق : قال أطال الله بقاءه ، ودمعز : قال أدام الله عزك » ، ولولا أن هذه الجمل الرمزية كانت من الشهرة والتكرار بالمكان المعلوم ما استجازوا لها هذا الاختصار ، فالنحت من خصائص اللغات الآرية الهندية - الأوروبية ، ومخترعه في العربية هو ابن فارس العالم اللغوي المشهور مؤلف كتاب مقاييس اللغة العربية والمجمل في اللغة والصاحبي في فقه اللغة ، وغيرهن ، وهو فارسي الأصل ، واللغة الفارسية نحتية تركيبية كسائر اللغات الآرية ، وقد حدته لغته الأصلية على أن يلصق أهم خصائصها باللغة العربية ، من غير أن يعلم أن اللغات في العالمين أجناس ، متباينة كتباين أهليها ، فاصل الفرس غير أصل العرب ، واللغة العربية من جمهرة اللغات السامية لا من جمهرة اللغات الهندية الأوروبية ، ولكل جمهرة خصائص وصفات ، ونعوت وعلامات ، وحروف وأصوات خاصة بها . وهذا ابن جني أبو الفتح عالم الدنيا في الصرف وغيره من علوم العربية قد ألف كتاب الخصائص في خصائص العربية وتكلم على عامة أحوالها ومجالاتها ونحوها وإعرابها وأدواتها ومناحيها ودقائقها ونكتها وبداعتها وبراعتها وأسرارها وعجائبها وصفاتها ونزعاتها الطبيعية ، ولم يذكر أن « النحت » والتركيب من أصولها ولا من خصائصها ، وكان معاصرا لابن فارس الفارسي حق المعاصرة وكلاهما من أهل القرن الرابع للهجرة ، ابن جني في بلاد العرب وابن فارس في بلاد الفرس . ولو كان التركيب المزجي والنحت من خصائص اللغة العربية ما ألفينا التنزيل العزيز يميل بالمركب المزجي إلى أوزان عربية رشيقة فاصار « ميكائيل » إلى ميكال ، و « جبرائيل » إلى « جبريل » وحمل الزنجبيل على السلسبيل ، والسجيل على الشريب ، وهي من المركبات المزجية في لغاتها ، والخصيصة في اللغة تعني قاعدة عامة مطردة في كثير من مفردات اللغة وتراكيبها ولا تعني كلمات معدودة أو تسميات محدودة أو مستعارة مقصودة ، وينبغي لنا أن نذكر في هذا المقام أن للعربية خصيصة الكسع وإضافة الكواسع وهي الحاق حرف أو حرفين أو ثلاثة باخر الكلمة ، كالفعم والفعمل ، والحلق والحلقوم ، والضيف والضيفن والابن والابنم ، والعندليب والزمهرير ، والشقحطب ( 1 ) ، وهو كما في القاموس للفيروزآبادي « كسفرجل ( في الوزن ) : الكبش له قرنان أو أربعة كل منها كشق حطب جمعه شقاحط وشقاطب » . وجاء في لسان العرب « شقحطب : كبش شقحطب ذو قرنين منكرين كأنه شق حطب . أبو عمرو : الشقحطب : الكبش الذي له أربعة قرون . الأزهري : هذا حرف صحيح » ، وأصله في الصحاح للجوهري « كبش شقحطب أي ذو قرنين منكرين كأنه شق حطب » . فهذا التأويل البعيد هو الذي أطمعهم في اعتداد النحت موجودا في اللغة العربية ، أعجبهم التأويل « شق حطب » ولم تعنهم سخافة المعنى ، كان الحطب مألوف الشق وكان الشق يشبه القرن دائما مع أن الحطب هو ما أعد من الشجر شبوبا للنار ووقودا ، ومنه الشوك على اختلاف أنواعه ، فمن الحطب ما يجوز أن يشبه القرن ، فلما ذا لم يقولوا « قرن شقحطب » و « قرون شقاطب أو شقاحط » ؟ بل قالوا : « كبش شقحطب » فوصفوا الكبش لا القرن ؟ لا شك في أن تأويلهم وتحليلهم متهافتان ، فيجوز أن تكون كلمة شقحطب مكسوعة بحرف أو أكثر كما كسع لفظ « العندليب » و « العندليل » بمعنى واحد ، جاء في لسان العرب « والعندليل : طائر يصوت ألوانا ، والبلبل يعندل أي يصوت ، وعندل الهدهد : إذا صوت عندلة . . العندليب : طائر أصغر من العصفور ، قال ابن الأعرابي : هو البلبل ، وقال الجوهري : هو الهزار ( 2 ) ، وروى عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال : عليكم بشعر الأعشى فإنه بمنزلة البازي يصيد ما بين الكركي والعندليب ، وهو طائر أصغر من العصفور ، وقال الليث : هو طائر يصوت ألوانا . قال الأزهري : وجعلته رباعيا لأن أصله ( العندل ) ثم مد بياء وكسعت بلام مكررة ثم قلبت باء ، وأنشد لبعض شعراء غني : والعندليل إذا زقا في جنة خير وأحسن من زقاء الدخل والجمع العنادل » . فإن لم يكن الشقحطب مكسوعا كالعندليل والعندليب فهو مأخوذ من لغة أخرى وكان كلمتين فجعله العرب كلمة واحدة كالسلحفاة والزمردة والزغردة والبرنسا والبرنساء ( 3 ) ، ورد في لسان العرب « والبرنسا والبرنساء : ابن آدم ، يقال : ما أدري أي البرنساء هو ؟ ويقال : ما أدري أي برنساء هو وأي برناساء هو وأي البرنساء هو ؟ معناه : ما أدري أي الناس هو ؟ والبرنساء : الناس . . . والولد بالنبطية برونسا » . فاللغويون العرب اعتدوا « البرنسا » و « البرناساء » كلمة واحدة مع أنها في الأصل كلمتان هما « بر » السريانية الآرامية بمعنى « الابن » و « ناشا » السريانية الآرامية بمعنى الناس ، ( 4 ) فالمعنى « ابن الناس » أو ابن الإنسان . والحمد لله على أنهم لم يجعلوها منحوتة من « بر النساء » أي أحسن إليهن ورعاهن على تأويل أن الرجل يرعى المرأة في الغالب فهو بار النساء ! ! . وإنما بسطنا الكلام هنا على « النحت » تمهيدا لكلامنا على مشكلات لغة العصر المحتاجة إلى التوسع والتحرر والانطلاق لتقوم بما عليها من مصطلحات في العلوم والفنون والآداب لا تحصى كثرة ، ولا تستقصى ، لأن الحضارة الغربية لا تزال تسرع الخطا وتطوى مسافات الاختراع والإبداع والابتداع طيا ، فمئات الكتب العلمية وعشرات الكتب الفنية على اختلاف العلوم والفنون قد أوجب التعليم الحديث والتحضر والتمدن دراستها وتعلم ما فيها وتدريسها وتعليم ما

--> ( 1 ) ممن أخذ بمذهب ابن جني في وجود النحت في الكلم العربي ظهير الدين أبو علي الحسن بن الحظير الفارسي المتوفى بالقاهرة سنة 598 وهو فارسي الأصل أيضا وإن ادعى أنه من ولد النعمان بن المنذر ، سأله البلطي عما وقع في ألفاظ العرب على مثال شقحطب فقال : هذا يسمى في كلام العرب « المنحوت » ومعناه أن الكلمة منحوتة من كلمتين كما ينحب النجار خشبتين ويجعلها واحدا ، فشقحطب منحوت من ( شق ) و ( حطب ) . فسأله البلطي أن يثبت له ما وقع له على هذا مثال إليه ، ليعول في معرفتها عليه ، فأملاها عليه في نحو عشرين ورقة من حفظه وسماها ( كتاب تنبيه البارعين على المنحوت من كلام العرب ) . « معجم الأدباء ج 3 ص 66 » . ( 2 ) البلبل مثل العصفور في الحجم ويختلف عنه في اللون وطول الذيل ، والهزار معروف في العراق وهو أكبر من العصفور ولا يختلف عنه في اللون ويصوت ألوانا وألحانا شهية إلى السمع . ( 3 ) في المعرب لابن الجواليقي طائفة من المركبات المزجية الأعجمية ، كالإبريق والسكرجة والإصطفلينة والبرسام والبستان والبندرقة والبرطلة والبارحاة والبازيار والتجفاف . ( 4 ) المعرب « ص 45 » وغيره . وجاء في الصفحة 68 من المعرب قال أبو حاتم قال الأصمعي : بر : ابن