حسن الأمين

280

مستدركات أعيان الشيعة

عليها الرضي شعره ولم ينضح بها قريضه ) . ( 1 ) وأقول : إن الشريف قد جعل من شعره وسيلة للتعريف بنفسه ، خاصة فيما يريد له الإذاعة والظهور ، ولأجل هذا لا نجد في شعره ما نجده في شعر كثير من شعراء الشيعة الذين وقفوا شعرهم لبيان عواطفهم وأحاسيسهم المذهبية - أو جعلوا ذلك أحد أهدافهم الرئيسة ، ولم يكتفوا بالافصاح عن ذاتياتهم الخاصة - فلا نجد في شعره مديحا خالصا لرسول الله ( ص ) ، ولا لأبيه أمير المؤمنين ، وأمه الصديقة الطاهرة ( ع ) ، وهو في هذا يختلف عن العوني ، وابن حماد ، والناشئ ، وقبلهم الكميت ، ودعبل ، وأضرابهم ، فنجد شعرهم شيعيا بل ويختلف عن أخيه الشريف المرتضى أيضا ، فهؤلاء شيعة ، والتزموا أن يكشف شعرهم عن عقيدتهم ، وأن يكون معبرا عن تشيعهم ، في حين أن الشريف كان شاعرا شيعيا ، كأبي تمام ، وابن الرومي ، وأمثالهما . ولم يشتهر الشريف بالأدب المذهبي ، وخاصة في أدب الرثاء الحسيني ، الشهرة التي تجعل المغمورين يحاولون أن يلصقوا آثارهم به فينحلون شعر غيره إياه ، كي يرتضيه السامعون إذا تلي عليهم منسوبا إلى الرضي فيروج عندهم ! والنائحون والنائحات ، وقراء المآتم ، ومنشد ومجالس العزاء الحسيني إنما يهتمون بمضمون الشعر ومدى تأثيره على الشامع أكثر ما يهمهم الشاعر نفسه ، بل إن الشاعر يغفل عنه غالبا عندهم وعند السامعين على سواء ، فلا يسمونه إلا نادرا ، ولأغراض خارجة عن إطار القراءة وإقامة المآتم . ولا يسعني أن أتجاوز هذا الموضوع إلا وأن أذكر واحدا من هؤلاء ، وقد أدرك عصره الشريف ، وسمع الكثير من شعره ، وهو الناشئ البغدادي ، علي بن عبد الله بن وصيف ( 271 / 884 - 366 / 976 ) ( صاحب المراثي الكثيرة في أهل البيت ) ( 2 ) قال معاصره وصديقه وحاكي سيرته وقضاياه ، الحسين بن محمد الخالع ، الأموي نسبا ، البغدادي ، ( 333 / 945 - 422 / 1031 ) : ( وكان الناشئ قئوما بالكلام والجدل ، يعتقد الإمامة ويناظر عليها بأجود عبارة ، فاستنفد عمره في مديح أهل البيت حتى عرف بهم ، وأشعاره فيهم لا تحصى كثرة ) ( 3 ) وراجع قضاياه ، بل وكراماته في النوح بشعره في ياقوت : 5 / 240 - 241 ، لسان الميزان : 4 / 239 / 240 ، وإذا أردت نموذجا لما كان يناح به يوم ذاك في المآتم ، بل وإلى قرابة قرنين بعد ذلك العصر ، وهو عصر الخطيب الخوارزمي ، الموفق بن أحمد الحنفي ( 484 / 1091 - 568 / 1172 ) ، ونموذجا أيضا لشعر الناشئ ، فارجع إلى ما حكاه الخطيب الخوارزمي من شعره في مقتل الحسين ( ع ) : 2 / 145 - 147 صدره بقوله : ( وللناشئ علي بن وصيف ، مما يناح به في المآتم ) . وأنا أعجب من الدكتور أنه يعمد إلى أبعد الاحتمالات من الواقع ، وأقربها إلى عالم الخيال والوهم ، فيختاره ، ويغلب ظنه عليه ، وهو أن شاعرا مغمورا له القدرة على مجاراة الشريف الرضي ، ولكنه ينسى نفسه ولا يشيد بمقدرته الشخصية ، بل يتقمص الشريف الرضي ، ويقلده في قصيدة عدد أبياتها اثنان وستون بيتا ، يوفق في ذلك ، إلا في عدة أبيات ! ! فلم لم يسلم الدكتور بان الرضي نفسه هو القائل ، وأنه هو الذي خانه التوفيق - إن كان الدكتور مصرا على هذه الخيانة ! ! . ولا تفسير لهذا الاختيار الشاذ عندي سوى أن الاعلام الصدامي يرضيه هذا الاختيار ، مهما كان بعيدا متكلفا فيه ، ويغضبه إذاعة الواقع ، وإن دلت عليه الحجة ، وكان هو التفسير الطبيعي والمعقول المقبول . وأنا أعجب أكثر من قوله : ( وفضحه حشو القصيدة بعقائد لم يمرن عليها الرضي . . . ) كيف لم يمرن عليها الشريف ، وقد مر قبيل هذا نموذج من قول الشريف ، ولا أظن أن الدكتور لم يقرأ بائية الشريف التي حكينا أبياتا منها قبيل ! والدكتور نفسه قد قرأ ما قاله صاحب نسمة السحر ، ويحكي عنه جملة من قوله في هامش / 51 - 52 من التصدير . وآخر ما أقوله : إن الاعلام الصدامي لم يرد لنفسه أن يكون ناشرا للمقصورة ، ولا للشريف أن يعرف بأنه القائل لها ، فحذفها من الديوان ثم أوحى إلى من أوحى بان يضع المعاذير لذلك ! ! * ( ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ، ولو ألقى معاذيره ) ) * . ( 4 ) والكلمة الأخيرة : أنا إن سلمنا جدلا بان ما قاله الدكتور الحلو حول المقصورة كله صحيح لا مطعن فيه لطاعن ، ولكنه بحذفه المقصورة قد فتح الباب لنوع من التحريف السافر ، والتلاعب المعلن به بالكتب والآثار ، لم يسبق أن فتحه قبله أحد ! فان القاعدة الأساسية المتبعة في نشر النصوص - والدكتور نفسه من أمس من يتصل بها ويعرفها ، بحكم عمله في قسم المخطوطات في جامعة الدول العربية - الاحتفاظ بالنص في صورته الأصلية التي أرادها المؤلف له ، وعمل المحقق والناشر لا يعدو تقويم النص وإعطاء أقرب صورة وأوثقها إلى التي اختارها المؤلف . والدكتور قد تولى نشر ديوان الرضي لا على أساس أنه هو الذي جمعه ، فله أن يختار ما وثق بنسبته إلى الشريف ، ويحذف ما كان على ريب من ذلك ، بل على أساس أنه ناشر لعمل جامع آخر ، وهو الخبري الذي تولى الجمع ، والطبعة نفسها تحمل هذا العنوان : ( صنعة أبي حكيم الخبري ) ، والتزاما منه بالأمانة العلمية احتفظ الدكتور بنظام الخبري القائم على أساس الأغراض ، لا التنظيم على أساس حروف القوافي ، الذي حول الديوان إليه في كثير من مخطوطاته - كما يذكر الدكتور في التصدير - وهكذا في طبعاته السابقة ، ومنها الطبعة البيروتية الأولى . ولا شك أن الخبري - ويسلم بذلك الدكتور - قد أثبت المقصورة في الزيادات التي ألحقها بالديوان . فأقصى ما هو المسموح به للدكتور أن يبدي ريبه من نسبة المقصورة إلى الشريف ، في التصدير أو عندما تأتي في صلب الديوان ، كما صنعه بعض النساخ أو القراء ، وحكى الدكتور صنيعهم في التصدير . وصنيع الدكتور قد تجاوز كل هذه الاعتبارات ، وخرق السنة المتبعة في الاحتفاظ بالنصوص - على

--> ( 1 ) التصدير / 72 . ( 2 ) ابن الأثير : 8 / 688 ، ابن خلكان : 3 / 369 ، لسان الميزان : 4 / 238 . ( 3 ) معجم الأدباء : 5 / 235 . ( 4 ) القيامة 75 : 14 - 15