حسن الأمين

276

مستدركات أعيان الشيعة

وقال : أنه ( لا حاجة للإنكار ، ولا موضع للغرابة ، لأن الشريف كان شديد الذكاء ، وإذا ذهبنا مع الدكتور إحسان عباس إلى أن المراد هو ابن أبي سعيد السيرافي ، لا أبو سعيد نفسه ، فهل يحل هذه القضية وينفي تعلمه النحو ، وهو دون العاشرة ؟ ! ) ( 1 ) . ولست أرى مجالا للخلاف في هذه القضية ، فان ابن جني يذكر أن الرضي أحضر إلى مجلس ابن السيرافي ، وواضح أن المراد هنا أبو سعيد ، لا ولده ، فهو الذي كان صاحب المجلس وأستاذا لابن جني ، وكان ابن جني يتلقى عنه ، فهو شاهد عيان ، ولم تذكر الرواية أن الرضي قرأ عليه شيئا ، وإنما لقنه النحو في جملة من يلقن من حضور الحلقة ، ثم ذاكره بشيء من الاعراب ليختبر تقدمه ، وقد كان يوسف ولده يفيد الطلبة في حياة أبيه - كما يذكر ابن خلكان - ولعله كان يعنى بالمبتدئين في العلم من حضور حلقة والده كالرضي . فالرضي إذا حضر حلقة أبي سعيد ، وهو صاحب القصة معه ، وهذا لا يدفع أنه ربما استفاد من علم ولده يوسف الذي كان يفيد الطلبة في حياة أبيه ، وإن كان لا يشعر نحوه بما يشعر به الطالب نحو أستاذه ، فقصيدته في رثائه لا تدل على أنه يرثي أستاذا له ، ولم يقلها الرضي فيه إلا ليحافظ على ما ضيعه الناس من الوفاء وما هكذا يفعل الرضي في رثاء أساتذته . ( 2 ) وقد سبقه إلى عد أبي سعيد السيرافي نفسه أستاذا للشريف ، السيد الأميني في الغدير : 4 / 183 ، وسبقهما السيد الخوانساري في روضات الجنات في ترجمة ( أبي سعيد السيرافي ) : 3 / 73 ، وذكر : أن الثعالبي ذكر في ترجمة الشريف : أنه له في أبي سعيد مرثية - وذكر ثلاثة أبيات منها - ثم ترجم لابنه يوسف ، وتبعه في هذا الشيخ عباس القمي في الكنى والألقاب : 2 / 340 ولا أدري كيف وقع له مثل هذا مع أن الثعالبي يصرح بان المرثي هو أبو محمد بن أبي سعيد ( 3 ) وهكذا صدرت القصيدة في ديوان الشريف . ( 4 ) وهذه إحدى المشكلتين . وهناك مشكلة أخرى ، وهي أن الشريف قد ذكر من قرأ عليهم وهم : 1 - علي بن عيسى بن الفرج ، أبو الحسن الربعي ، الشيرازي ، ثم البغدادي ( 328 / 940 - 420 / 1029 ) وتوفي الشريف ، والربعي كان لا يزال حيا . 2 - أبو الفتح عثمان بن جني ، الموصلي ، ثم البغدادي ( ح 327 / 939 - 392 / 1002 ) . وقال الشريف نفسه : ( وقال لي شيخنا أبو الحسن علي بن عيسى النحوي ، صاحب أبي علي الفارسي ، وهذا الشيخ كنت بدأت بقراءة النحو عليه قبل شيخنا أبي الفتح عثمان بن جني ، فقرأت عليه ( مختصر الجرمي ) وقطعة من ( كتاب الإيضاح ) لأبي علي الفارسي ، و ( مقدمة ) أملاها علي كالمدخل إلى النحو . . . ) . ( 5 ) ووجه المشكلة أن الشريف إن كان قد قرأ على السيرافي ، الأب ، أو الابن ، أيا كان ، فلما ذا لم يشر إليه ؟ وقال شيخنا النوري : ( وظاهره أنه لم يقرأ على السيرافي ، وإلا لأشار إليه ، مع أنه عند وفاة السيرافي [ الأب ، وهكذا فسره بالأب ] كان ابن تسع سنين ، كما يظهر من تاريخ ولادة الأول ووفاة الثاني ) ثم حكى ما حكاه ابن خلكان ، فقال : ( وفي قوله : فلقنه النحو مسامحة ) ( 6 ) . والذي أراه في حل المشكلة الأولى التأكيد على مدلول ( ابن ) السيرافي ! فان إضافة ( ابن ) إنما جيء بها للتعريف ، والتعريف بالإضافة إلى الأب ( السيرافي ) لا يصح إلا إذا كان الأب قد بلغ من الشهرة المبلغ الذي يعد أشهر من يحمل العنوان ، فيعرف به من يضاف إليه ( ابنا ) كان أو ( أخا ) أو غيرهما ، وهذا يعني : أن المشتهر يوم ذاك بالسيرافي كان هو الأب ، لا الابن الذي حضر الشريف مجلسه ، وهذا لا يصح إلا إذا كان الأب أبو سعيد السيرافي نفسه ، لا أبوه بهزاد المجوسي الذي عاش في سيراف ، والذي أسلم وسماه ابنه عبد الله ، عاش مغمورا ومات مغمورا ، ولو لم يبلغ ابنه أبو سعيد ما بلغه لم يسمع بذكره أحد . وبهذا يكون الذي حضر عنده الشريف ابن أبي سعيد السيرافي أبا محمد ، لا هو نفسه . وليست المشكلة تدور حول قصر السن أو قلة الذكاء ، فإنه لا مناقشة في شدة ذكاء الشريف وحدة فطنته ، وقصر سنه لم يمنعه من الحضور على الشيخ المفيد - كما سيأتي - وسيأتي أن عمره كان يوم ذاك في حدود السادسة . ولم أجد فيما أملك من المصادر قراءة ابن جني على أبي سعيد السيرافي ، وإنما الذي تتفق المصادر كلها عليه أنه قرأ على أبي علي الفارسي ، في صحبة دامت أربعين سنة ، صحبه في أسفاره ، وخلا به في مقامه ( 7 ) ، ويذكر ابن مأكولا أن ابن جني ( سمع جماعة من المواصلة والبغداديين ) ( 8 ) ، إلا أن أحدا لم يذكر أنه كان فيهم أبو سعيد السيرافي . ولا نملك أي حجة تدلنا على قراءة الشريف على السيرافي ، سواء أكان الأب أم الابن ، سوى ما تدل عليه النادرة المروية عنه في علامة النصب في كلمة عمر ، وهي لا تدل إلا على أنه حضر مجلس الابن دون الأب ، وبهذا لا أجد أي مبرر لما أحتاط الدكتور الحلو في رأيه حينما ارتاى أن الشريف قرأ على الأب ، وأضاف : ( وهذا لا يدفع أنه ربما استفاد من علم ولده يوسف ) . ولا يلزم أن تكون القراءة على الابن أنها كانت بعد وفاة الأب بل أرجح أنها وقعت في حياة الأب ، وفيما يقرب من تاريخ حضوره على شيخنا المفيد - كما سيأتي - وإنما اختير له الابن ( وكان يفيد الطلبة في حياة أبيه ) ( 9 ) ، أن الأب يوم ذاك كان قد بلغ من العمر عتيا ، ومن الشخصية العلمية ما ارتفع بها

--> ( 1 ) محمد عبد الغني حسن ، الشريف الرضي / 24 . ( 2 ) الشريف الرضي ، الدكتور عبد الفتاح محمد الحلو ، معهد المخطوطات العربية ، جامعة الدول العربية ، القاهرة ، 1396 / 1976 / 104 - 106 ، وهي مكتوبة بالآلة الطابعة . ( 3 ) يتيمة الدهر : 3 / 149 . ( 4 ) ط . بيروت : 1 / 490 - 491 . ( 5 ) حقائق التأويل : 87 - 88 . ( 6 ) مستدرك الوسائل : 3 / 514 . ( 7 ) إنباه الرواة : 2 / 336 ، ياقوت : 5 / 18 - 19 ، ابن خلكان : 3 / 246 البلغة في تاريخ أئمة اللغة / 137 ، نزهة الألباء / 315 ، 333 ، سير أعلام النبلاء : 16 / 3880 ، 17 / 18 ، بغية الوعاة : 2 / 132 ، روضات الجنات : 5 / 176 ، 177 ، 180 . ( 8 ) الإكمال : 2 / 285 ، الأنساب : 3 / 361 . ( 9 ) إنباه الرواة : 4 / 61 ، ابن خلكان : 7 / 72 ، اليافعي : 2 / 429 - 430 .