حسن الأمين

249

مستدركات أعيان الشيعة

راحل أنت والليالي تزول ومضر بك البقاء الطويل لا شجاع يبقى فيعتنق البيض ولا آمل ولا مأمول غاية الناس في الزمان فناء وكذا غاية الغصون الذبول إنما المرء للمنية مخبوء وللطعن تستجم الخيول من مقيل بين الضلوع إلى طول عناء وفي التراب مقيل فهو كالغيم ألفته جنوب يوم دجن ومزقته قبول عادة للزمان في كل يوم يتناءى خل وتبكي طلول فالليالي عون عليك مع البين كما ساعد الذوابل طول ربما وافق الفتى من زمان فرح غيره به متبول هي دنيا إن واصلت ذا جفت هذا ملالا كأنها عطبول كل باك يبكى عليه وإن طال بقاء والثاكل المثكول والأماني حسرة وعناء للذي ظن أنها تعليل ما يبالي الحمام أين ترقى بعد ما غالت ابن فاطم غول أي يوم أدمى المدامع فيه حادث رائع وخطب جليل يوم عاشوراء الذي لا أعان الصحب فيه ولا أجار القبيل يا ابن بنت الرسول ضيعت العهد رجال والحافظون قليل ما أطاعوا النبي فيك وقد مالت بارماحهم إليك الذحول وأحالوا على المقادير في حربك لو أن عذرهم مقبول واستقالوا من بعد ما أجلبوا فيها أالآن أيها المستقيل إن أمر قنعت من دونه السيف لمن حازه لمرعى وبيل يا حساما فلت مضاربه الهام وقد فله الحسام الصقيل يا جوادا أدمى الجواد من الطعن وولى ونحره مبلول حجل الخيل من دماء الأعادي يوم يبدو ظعن وتخفى حجول يوم طاحت أيدي السوابق في النقع وفاض الونى وغاض الصهيل أتراني أعير وجهي صونا وعلى وجهه تجول الخيول أتراني ألذ ماء ولما يرو من مهجة الامام الغليل قبلته الرماح وانتضلت فيه المنايا وعانقته الفصول والسبايا على النجائب تستاق وقد نالت الجيوب الذيول من قلوب يدمى بها ناظر الوجد ومن أدمع مراها الهمول قد سلبن القناع عن كل وجه فيه للصون من قناع بديل وتنقبن بالأنامل والدمع على كل ذي نقاب دليل وتشاكين والشكاة بكاء وتنادين والنداء عويل يا غريب الديار صبري غريب وقتيل الأعداء نومي ثقيل بي نزاع يطغى إليك وشوق وغرام وزفرة وعويل ليت أني ضجيع قبرك أو أن ثراه بمدمعي مطلول لا أغب الطفوف في كل يوم من طراق الأنواء غيث هطول مطر ناعم وريح شمال ونسيم غض وظل ظليل يا بني أحمد إلى كم سناني غائب عن طعانه ممطول وجيادي مربوطة والمطايا ومقامي يروع عنه الدخيل كم إلى كم تعلو الطغاة وكم يحكم في كل فاضل مفضول إن نداء الشريف الرضي الذي امتد حرف النداء فيه ( يا ) مع المنادى ( الغريب ) إلى ما لا محطة له ، ولا نهاية ، عبر الزمن ، هو الصوت الذي يسكن أعماقه الموحشة ، ويركب لسانه الذي لا يكف عن اللهج والتحسس ، فتظل المناداة الصارخة : يا غريب الديار صبري عجيب مدخلا لتفسير اغتراب الشاعر وغربته التي تتجاوز في المعنى كل شقاء . ذو التعاستين ورث الشريف الرضي في روحه ودمه روح الفجيعة الحسينية ، لكن الدهر لم يترفق به في حدود ذلك ، بل ادخر له أمرا عظيما وتعاستين بالغتين : الأولى سجن أبيه الذي كان سنده الكبير والشخصية العظيمة التي حملت قبسا من نور أهل البيت وحكمتهم وعدالتهم . لقد : « كان أبوه النقيب أبو أحمد ، جليل القدر ، عظيم المنزلة في دولة بني العباس ودولة بني بويه ، ولقب بالطاهر ذي المناقب ، وخاطبه بهاء الدولة أبو نصر بن بويه بالطاهر الأوحد ، وولي نقابة الطالبيين خمس دفعات ، كما ولي النظر في المظالم ، وحج بالناس مرارا . أميرا على الموسم » . لقد كان الشريف الرضي في العاشرة من عمره ، حينما سجنه عضد الدولة ، ففقد بذلك ولي الأمر ، والسند ، والنصير ، ولم يكن أبوه مجرد أب ، بل كان يرى فيه تجسيدا لموضوع فخاره وافتخاره ، وكان يعلق الآمال على أن يحتاز أبوه المكانة التي يستحقها ، والتي لا تقل شانا عن الخلافة . وقد كانت آمال الصبا كبيرة وملونة ، حينما كان أبوه سيدا مطاعا ، ومصلحا كبيرا ، وبسجنه تطايرت الآمال وخيمت ظلمة الأسى على روح الشريف الرضي . لقد كان الاغتراب التاريخي الذي ورثه الشاعر يحث على الثورة ، وقبل أن يبلغ الشباب كان يحتاج إلى حماية ورعاية وجدهما في أبيه ، وفي لحظة واحدة وجد الشاعر نفسه أمام الحقيقة القاسية ، سجن أبيه وعمه ، وتهدم بناء الحماية والعز في لحظة غريبة . وفي ذلك يقول زكي مبارك : « وما ظنكم بطفل يتوقد غيرة وحماسة ، ويقبل على الدرس إقبال الرجال ، فيصل النهار بالليل في درس العلوم العقلية والنقلية ، وياوي إلى بيت عامر بالكرم والجود تعج أرجاؤه بأصوات الخدم والحاشية ، ويرى أباه في الصباح والمساء وهو عماد المكروبين ، وغياث الملهوفين ، ويرى أساتذته يبالغون في إكرامه لأنه ابن النقيب ، ما ظنكم بطفل هذه أحواله يمسي بعافية ثم يصبح فيرى ذاهل العقل أن أباه جرد من الحول والطول وألقي به في غياهب الاعتقال » . ويضيف : « إن من العسير أن تتصوروا النبوغ الشعري في طفل غرير ، لأنكم تعيشون في أزمان لا تعرف الشقاء ، أزمان يكون فيها من النبوغ أن يحفظ الطفل قصيدة وهو ابن عشر سنين ، ولكن يسهل عليكم تخيل ذلك حين تتذكرون كيف كان حال الشريف الرضي حين نقل أبوه منفيا إلى فارس ، حين تتصورون كيف أمسى ذلك الطفل فقيرا ذليلا بعد الغنى والعزة ، حتى صح لبعض أساتذته أن يهبه دارا يسكنها ! . وما أظلم الأيام التي تحوج طفلا مثل الشريف إلى قبول هذه الهدية بعد تمنع وإباء . تصوروا حال الشريف وهو يحاور أستاذه فيقول : لم أقبل بر أبي فكيف أقبل برك ؟ ! فيجيب الأستاذ وهو يتوسل إليه : إن حقي عليك أعظم