حسن الأمين

146

مستدركات أعيان الشيعة

وفي مصر سلم السلطان سليم الحكم إلى خير بك من مماليك السلطان الغوري ونائبه في حلب وكان قد تخلى عن سلطانه وانضم إلى السلطان سليم . وبعد وفاة خير بك سنة 1522 كانت الدولة ترسل لحكم مصر باشا عثمانيا ، لم يكن ينفرد بالحكم الفعلي ، بل كان المماليك يشاطرونه الكثير من شؤونه إلى أن استطاع هؤلاء المماليك السيطرة سيطرة كاملة على البلاد . ويجب أن لا ننسى أنهم كانوا قد تمصروا وأصبحوا من أبناء البلاد . هذه الأوضاع لم تشعر العرب بأنهم محكومون فعليا من غيرهم ، لذلك كانوا يرون أنفسهم أسياد أنفسهم ، فلم الثورة ؟ . ويجب أن لا ننسى أن اللغة العربية التي هي من أبرز مظاهر السيادة كانت مصونة كل الصون ، بل يبدو أن الأمر كان أكثر من ذلك ، ففي كثير من النصوص ما يشعر بأنها كانت هي المقدمة على اللغة التركية . وأني لأورد مثلا : ففي عشر الخمسين كنت في سياحة في اليونان وزرت فيما زرت مدينة سلانيك فإذا بي أمام ظاهرة عجيبة ، فقد رأيت فيها حماما أثريا هو من بقايا العثمانيين أيام حكمهم لها ، وتطلعت إلى مدخله فإذا على بابه منقوش على الحجر كتابة حسبتها لأول وهلة كتابة تركية ، ولما تأملتها إذا بها كتابة عربية فصيحة هذا نصها : « أمر ببنائه إمام المسلمين وسلطان الغزاة والمجاهدين السلطان مراد بن محمد بن بايزيد خلد الله ملكه » . ثم تحتها بلا فاصل الكلمة العربية العذبة « أهلا وسهلا » وعليها تاريخ سنة 846 ه‍ . ولو كانت هذه الكتابة في بلد عربي محكوم من الأتراك لكان لها كل المبررات . أما أن تكون في البلد البعيد وفي قوم هم من غير العرب ، فمعنى ذلك أن اللغة العربية هي الأصل في الدولة العثمانية . ويزيد في العجب أن السلطان مراد بن محمد هذا لم يكن يحكم البلاد العربية ، فقد تولى الملك سنة 824 ه‍ ، وهو والد محمد الفاتح ، أي أن هذه الكتابة العربية قد كتبت قبل فتح القسطنطينية سنة 875 هوقبل فتح حلب الذي كان سنة 922 ه‍ ( 1516 ) . فإذا كانت اللغة العربية هي اللغة السائدة في حكم العثمانيين قبل فتحهم البلاد العربية بست وسبعين سنة ، فكيف بها حين فتحوا تلك البلاد ؟ . ثم إن هناك دليلا آخر على سيادة اللغة العربية في الدولة العثمانية حتى في البلاط السلطاني ، فان السلطان أحمد الثالث وهو السلطان الرابع عشر من آل عثمان ، والذي تولى الحكم السنة 1012 ه‍ ( 1603 م ) كان شاعرا باللغة العربية وهو صاحب القصيدة الغزلية التي مطلعها : ظبي يصول ولا وصول إليه جرح الفؤاد بصارمي لحظيه وحتى يكون رأس الدولة شاعرا عربيا فلا بد أن يكون لا للغة العربية وحدها السيادة في الدولة ، بل لشعرها وأدبها أيضا . ثم هناك المؤلفون الأتراك باللغة العربية فمن مدينة أنقرة وحدها خرج أربعة فقهاء كانت مؤلفاتهم باللغة العربية ، هم جلال الدين الأنقروي المولود سنة 651 ( 1253 ) مؤلف كتاب شرح الزيارات للعتابي وكتاب الفرائض . ومحمد بن الحسن الأنقروي المتوفى سنة 1098 ( 1686 ) صاحب فتاوى الأنقروي . وشجاع بن نور الله الأنقروي المتوفى سنة 964 ( 1556 ) صاحب كتاب حل المشكلات . وإسماعيل بن أحمد الأنقروي المتوفى سنة 1041 ( 1631 ) صاحب كتاب منهاج الفقراء . هذا في بلدة واحدة ، ونستطيع أن نعدد ممن كتبوا باللغة العربية ، نعددهم كنماذج كلا من الشاعر أحمد برهان الدين 745 - 799 ( 1344 - ( 1397 ) الذي نظم الشعر بالعربية والتركية وألف بالعربية في الفقه ( ترجيح التوضيح ) و ( إكسير السعادات في أسرار العبادات ) . وحاجي خليفة الموسوعي الكبير 1017 - 1067 ( 1609 - 1657 ) صاحب كتاب ( كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون ) وهو معجم أسماء المؤلفات العربية . وكتاب ( تحفة الكبار في أسفار البحار ) وكتاب ( الوصول إلى طبقات الفحول ) . وحسين بن محمد الديار بكري صاحب كتاب ( تاريخ الخميس في أنفس نفيس ) وهو يشمل السيرة النبوية وما بعدها حتى السلطان مراد الرابع توفي سنة 966 ( 1558 ) . وطاشكبري زاده 901 - 968 ( 1495 - 1561 ) من أشهر كتاب السير والموسوعيين . وضع موسوعة باللغة العربية في العلوم والآداب . وله كتاب ( شقائق النعمان ) يتضمن سيرة 522 من العلماء وشيوخ الطرق . وعارف حكمت ( 1786 - 1859 ) شيخ الإسلام كان شاعرا باللغة العربية . ونامق كمال ( 1840 - 188811 ) كان إلى شاعريته باللغة التركية شاعرا باللغة العربية . ونحن هنا لا نريد الاستقصاء وإنما هي أمثلة تمثل مختلف العصور وتدل على حقيقة الحال . وأكثر من ذلك ، فقد كان الملوك العثمانيون يمدحون بالشعر العربي فيجيزون عليه ، ويقصدهم الشعراء العرب بمدائحهم فيرجعون بجوائزهم . حتى إن أحدهم الشيخ شهاب الدين أحمد بن الحسين العليف ، من شعراء الحجاز ، ويلقبه ( النهروالي ) بشاعر البطحاء ، نظم ديوانا كاملا في السلطان بايزيد الثاني بن السلطان محمد الفاتح الذي تولى الملك سنة 886 . ومن شعره فيه قوله من قصيدة : فيا راكبا يجري على ظهر ضامر إلى الروم يهدي نحوها طيب النشر لك الخير إن وافيت ( برسا ) فسر بها رويدا لاسطنبول سامية الذكر لدى ملك لا يبلغ الوصف كنهه شريف المساعي نافذ النهي والأمر إلى بايزيد الخبر والملك الذي حمى بيضة الإسلام بالبيض والسمر فيا ملكا فاق الملوك مكارما فكل إلى أدنى مكارمه يجري لئن فقتهم في رتبة الملك والعلا فان الليالي بعضها ليلة القدر وإني لصوان لدر قلائدي عن المدح إلا فيك يا ملك العصر فقابل رعاك الله شكري بمثله فإنك للمعروف من أكرم الذخر وكانت جائزته من السلطان على القصيدة ألف دينار ذهبا . وراتب سنوي مائة دينار ذهبا . وظل الراتب يجري على أولاده بعد موته . وكذلك فقد كان الشعراء يرثون موتاهم بشعر عربي ، فعند ما مات السلطان سليمان ( القانوني ) رثاه في إسطنبول الشيخ أبو السعود العمادي بقصيدة قال فيها : أصوت صاعقة أم نفخة الصور فالأرض قد ملئت من نقر ناقور أم ذاك نعي سليمان الزمان ومن قضت أوامره في كل مأمور مجاهد في سبيل الله مجتهد مؤيد من جناب القدس منصور بلهذمي إلى الأعداء منعطف ومشرفي على الكفار مشهور