حسن الأمين

143

مستدركات أعيان الشيعة

غير أن مصطفى كمال كان يرسم طريقا مغايرا لكل هذه الرهانات . ولن تلبث معاهدة لوزان أن تقطع الطريق على كل هذه الاحتمالات لنفتح طريقا واحدا أمام تركيا هي طريق القومية العلمانية . وبذلك يتلقى التيار الإسلامي في بلاد العرب كما في غيرها من البلدان الإسلامية ضربة قاسية ويصاب الفكر الإسلامي حينها بحالة من القلق والتساؤل والتردد بالرغم من « مؤتمرات الخلافة » التي عقدت والتي انتهت بتأجيل البت بمسالة الخلافة . كما تشهد الساحات السياسية تحركات مشبوهة من السلاطين والملوك ومن الدوائر الدبلوماسية الغربية لتقطف ثمار هذا الفراغ السياسي . ثم أن ما ينبغي التنبه له هو أن العامل الحاسم في إضعاف التيار الإسلامي لم ينحصر في قرار إلغاء الخلافة الذي اتخذه مصطفى كمال . ذلك أن المؤسسة السلطانية كانت قد أضحت عمليا بلا حول ولا طول وكانت قد فقدت شرعيتها الإسلامية بعد عجزها عن المقاومة واستسلامها للأجانب وقبولها بمشاريعهم . إن ما يغفل عنه الباحثون هو أن سلسلة من الثورات الشعبية التي ارتكزت إلى منطلقات إيمانية وإسلامية كانت قد ضربت بوحشية بالآلة العسكرية الأوروبية المتطورة : فمن ثورة عبد الكريم الخطابي إلى ثورة عمر المختار ، إلى الانتفاضة الشعبية المدنية في مصر ، إلى ثورة العراق بقيادة علماء النجف ، إلى الثورة السورية الكبرى . . . ارتسمت معالم مقاومة إسلامية مفرقة وموزعة ، ولكن يجمعها المنطلق الإسلامي الواحد ( الجهاد ) والحافز الوطني الأهلي ( الدفاع عن الديار والأهل ) ، والعدو المشترك ( المشروع الاستعماري وان تلونت أقطاره وقومياته ) . إن انتصار القوى المستعمرة على هذه الثورات بالأسلوب الوحشي الذي تتحدث عنه وثائق التاريخ وتحمله الذاكرة الشعبية أفسح المجال أمام منهج في العمل السياسي النخبوي كانت قدوته بشكل عام وبدرجات متفاوتة : صورة نظام آتاتورك في تركيا . وهكذا ومع ضرب تعبيرات المقاومة في المجتمعات الإسلامية وبروز نموذج آتاتورك بدأت تتشكل تيارات سياسية قومية علمانية تبتعد عن الإسلام ، بل وقد يعزو بعض أجنحتها ومفكريها إلى الإسلام أسباب الهزيمة والتأخر . هذا الطرح كان من شانه أن يزيد من عقدة الاشكال القومي وذلك من خلال تعميق الفجوة بين الموقف الإسلامي والصيغة القومية المقتبسة من تجارب أوروبا ومنظريها . وهكذا ارتسمت صورة للقومية منفصلة عن الإسلام لا سيما في بلاد الشام حيث كانت التجربة مع التتريك العثماني قاسية وحيث اتسم المجتمع الأهلي بتعددية دينية استدعت استخدام خطاب سياسي يتحدث عن وحدة وطنية لا دينية . ولكن هذا الاشكال نفسه لم يكن ليطرح خارج هذه الخصوصية الجغرافية - التاريخية . ففي شمالي إفريقيا اندمج الوعي القومي بالإسلام بل ارتكز إليه . ولم تكن الدولة العثمانية ولا سيما في مرحلة التتريك فيها وقد تركت هناك ذكرى الحصار والمجاعة أو التجنيد الالزامي وأعواد المشانق كما حصل في كل من دمشق وبيروت ، بل كانت ذكراها هي ذكرى الدولة الإسلامية التي تحاول أن تدافع عن ثغور الجنوب الإسلامي للمتوسط وكانت هذه الذكرى محفوظة في « الذاكرة الشعبية » والكتاب التاريخي منذ القرن السادس عشر . وهكذا لم تجد التيارات الإسلامية نفسها في شمالي إفريقيا في مواجهة مع القومية . بل أن التعبير الإسلامي كان أحيانا جزءا من التعبير القومي ، وفي الغالب كان التعبيران مندمجين في حالة سياسية وثقافية واحدة هي حالة التمايز عن المستعمر وحالة الدفاع عن هويات وطنية وثقافية معا . وهو الأمر الذي كان قد لاحظه ( فانون ) بشكل واضح ولا سيما في دراسته لثورة الجزائر . والذي يستعرض التيارات الفكرية الإسلامية عبر نصوصها وأعلامها في شمالي إفريقيا ( أمثال ابن باديس وحسن البنا ) لا يجد مكانا للاشكال القومي كاشكال مثير للتعارض أو الرفض من موقع المعتقد الإسلامي . إذ تجري مصطلحات الوطن والوطنية والوحدة العربية والوحدة الإسلامية كمفاهيم متدرجة في إطار التكاملية الوظائفية المؤدية إلى التوحيد . ( 1 ) إذن كيف ومتى وأين كانت تثار الإشكالات بصيغة التعارض بين حالات الوعي الإسلامي وحالات الوعي القومي ؟ قلنا أن التعارض كان يحصل عندما كان الوعي القومي يعبر عن نفسه عبر بعض النخب المحلية المتغربة تماثلا فكريا ومنهجا مع العقائد القومية الأوروبية التي اتخذت لنفسها ولأممها صفة التفوق والاستئثار وحملت معها مشاريع للتوسع والسيطرة كما حملت معها فلسفة سلوكية معادبة للدين أو مهشمة له . هذا على صعيد المنهج . ولكن يبقى أن نشير إلى عوامل أخرى ارتبطت بخصائص جغرافية سكانية تاريخية في مناطق معينة من العالم الإسلامي . فكما أن لبلاد الشام مثلا وضعية سكانية معينة وتجربة تاريخية خاصة مع مرحلة المركزية والتتريك ، فان لإيران والهند ( ولا سيما في قطاعها الباكستاني ) تجربة تاريخية معينة في حقل العلاقة بين القومية والإسلام . ( 2 ) وهذه التجربة اتسمت في قطاعات منها بمعاداة حادة بين الفكر القومي والفكر الإسلامي . فهذا هو أبو الأعلى المودودي يعتبر الفكر القومي « فكرا شيطانيا » ابتليت به أوروبا والنخب المحلية المقلدة لها . ( 3 ) . والمودودي في هذا الموقف الصارم لا يعبر فحسب عن معيار منهجي وعقائدي في التمييز بين الفكر القومي الأوروبي التجزيئي وبين الفكر الإسلامي التوحيدي ، بل أنه يعبر أيضا في المجال السياسي والوجهة الواقعية العملية عن الاحتمال التاريخي التجزيئي والانشقاقي للوجهة الوظيفية للقوميات المحلية في الهند والباكستان . ( 4 ) ولعل هذه الوجهة التفسيخية لوظيفة القومية هناك هي ما استوقفت مفكرا إسلاميا هو كليم صديقي ودفعته أن يعمم النظرة المعادية للقومية في كل مستويات الطرح دون اعتبار للخصوصيات الإقليمية في التجارب التاريخية . فهو يجعل من القومية على طول الخط صنيعة للاستعمار وأداة لسياسات التفسيخ في الأمة الإسلامية . ( 5 )

--> ( 1 ) راجع وثيقة لحسن البنا حول الموقف من الوحدة العربية والوحدة الإسلامية في مجلة الحوار ، صيف 1986 ، ص 168 - 169 . ( 2 ) راجع مقالة : طارق البشري ، بين الإسلام والعروبة ، الحوار ، صيف 1986 ، ص 15 - 32 . ( 3 ) أبو الأعلى المودودي ، نحن والحضارة الغربية ، ص 77 ( 4 ) انظر : طارق البشري ، بين الإسلام والعروبة ، مجلة الحوار ، صيف 1986 ، ص 21 - 22 . ( 5 ) قارن كليم صديقي ، التوحيد والتفسيخ بين سياسات الإسلام والكفر . المعهد الإسلامي - لندن . 1984 ، ص 27 - 34 .