حسن الأمين

10

مستدركات أعيان الشيعة

وكان ظهور هذا الوعد في الصوان ، ومصيره المجهول بعد ذلك ، بالنسبة للمعنيين بدراسة مسكويه « غمامة أبرقت - كما قال القائل - قوما عطاشا ، فلما رأوها ، أقشعت وتجلت » ولم تمطر ما يشفي غليلهم . وأما تصنيفه تجارب الأمم ، الذي ضمنه في الجزءين الأخيرين منه حوادث عصره ، ومن خلالها بعض حوادث حياته ، فهذا المصدر أيضا ، يتوقف عند سنة 369 ه‍ ، وهذا يعني أن مسكويه عاش بعد ذلك حوالي نصف قرن ، تاركا كتابة الحوادث المتبقية من عصره ، الحوادث التي كان من شأنها أن تلقي مزيدا من الضوء على النصف الثاني من حياته أيضا ، وذلك من خلال اتصاله الوثيق بالشخصيات المشاركة في تلك الحوادث ، حيث كان مسكويه من وجوه أوساطهم . الفترة التي عاشها عاش مسكويه حوالي مائة سنة ، ووصل إلى أرذل العمر الذي امتد من سنة 320 هعلى الأقوى ، إلى التاسع من صفر سنة 421 هبالتحديد على ما ذكره ياقوت نقلا عن يحيى بن مندة . ويبدو أن مرجوليوث هو أول من حاول تحديد مولد مسكويه ، وذلك في المقدمة التي قدمها لترجمته الإنجليزية للجزءين الأخيرين من تجارب الأمم ( انظر : . iitheEcl . , Pref . , P ) ، فنراه وقد حدد مولد مسكويه « مؤقتا » سنة 330 ه‍ ، ثم يعود قائلا : « أو أسبق بقليل » . ثم يحاول الدكتور عزت ( ص 79 - 80 ) تقديم هذا التاريخ من 330 إلى 325 هكما يقدمه الدكتور عبد الرحمن بدوي ( ص 20 - 21 ) أكثر من ذلك ويجعله سنة 320 قائلا : « إن لم يكن قبل ذلك » . وأما الدلائل أو الأمارات الموجودة لتحديد مولد مسكويه فهي : 1 - ما قاله مسكويه نفسه في تجارب الأمم في مقدمة حوادث سنة 340 فصاعدا ، وذكر مصادره في تقرير تلك الحوادث . قال : « أكثر ما أحكيه بعد هذه السنة ، [ أي بعد سنة 340 ه‍ ] فهو عن مشاهدة وعيان ، أو خبر محصل يجري عندي خبره مجرى ما عاينته . وذلك أن مثل الأستاذ الرئيس أبي الفضل محمد بن الحسين بن العميد - رضي الله عنه - خبرني عن هذه الواقعة وغيرها بما دبره وما اتفق له فيها ، فلم يكن إخباره لي دون مشاهدتي في الثقة والسكون إلى صدقه ، ومثل أبي محمد المهلبي - رحمه الله - خبرني بأكثر ما جرى في أيامه ، وذلك بطول الصحبة وكثرة المجالسة ، وحدثني كثير من المشايخ في عصرهما بما يستفاد منه تجربة وأنا أذكر جميع ما يحضرني ذكره ، وما شاهدته وجربته بنفسي فسأحكيه أيضا بمشيئة الله » . 2 - ما قاله مسكويه في تجارب الأمم أيضا عن نفسه ، ( انظر حوادث سنة 341 ) . وذلك عند ذكر معز الدولة بالحدة والبذاءة ، وموقف الوزير المهلبي من أخلاقه . قال مسكويه : « وكان معز الدولة حديدا ، سريع الغضب ، بذيء اللسان ، يكثر سب وزرائه والمحتشمين من حشمه ، ويفتري عليهم ، فكان يلحق المهلبي - رحمه الله - من فحشه وشتمه عرضه ما لا صبر لأحد عليه ، فيحتمل ذلك احتمال من لا يكترث له وينصرف إلى منزله ، وكنت أنادمه في الوقت ، فلا أرى لما يسمعه فيه أثرا ، ويجلس لأنسه نشيطا مسرورا . . . » . أما في الدليل الأول فيحدثنا مسكويه عن « طول الصحبة وكثرة المجالسة » التي كانت بينه وبين الوزير المهلبي ، وفي الدليل الثاني يقول : « وكنت أنادمه في الوقت » . والمعروف أن المهلبي قد تولى الكتابة لمعز الدولة سنة 339 هوخوطب بالوزارة سنة 345 ه‍ ، وتوفي في شعبان سنة 352 ( انظر التجارب ، حوادث سنوات 339 ، 345 ، 352 ) ، والفترة الواقعة بين سنتي 339 و 352 هي التي كانت فيها تلك المنادمة والصحبة والمجالسة ، التي وصفها مسكويه بالكثرة والطول . نعم صحيح أنه « قد صحب الوزير المهلبي في أيام شبيبته » - كما صرح به أبو سليمان أيضا في الصوان ( ص 346 - 347 ) - ولكن مسكويه في هذه الشبيبة ، لا يمكن أن تكون سنه أقل من 25 سنة ، وخاصة بالنظر إلى أنه « كان من خواصه ووجوه المختصين به » - كما أضاف أبو سليمان - وكان من الحنكة والبصيرة على مستوى جعل المهلبي يتخذه نديما له و « يخبره بأكثر ما جرى في أيامه » ، كما جعل مسكويه يعد نفسه مصدرا من مصادر تاريخ سنة 340 فصاعدا ، وذلك في قوله : « وأنا أذكر جميع ما يحضرني ذكره ، وما شاهدته وجربته بنفسي ، فسأحكيه بمشيئة الله » . فبذلك لا يصح أن يكون مولده بعد سنة 320 ، كما تكون منادمته وصحبته الطويلة ومجالسته الكثيرة للوزير المهلبي ابتداء من عام 345 أي دون احتساب الخمس السنوات الأولى ( 339 - 344 ه‍ ) من وزارة المهلبي وذلك لبعض الاحتمالات السلبية التي قد تعتري هذا الافتراض . 3 - وهناك دليل آخر ، وهو دليل على طول عمره أكثر من كونه دليلا على تحديد سنواته أو تحديد ميلاده ، وهو أن لمسكويه أبياتا يشكو فيها « سوء أثر الهرم وبلوغه أرذل العمر » ( انظر الثعالبي التتمة ص 96 ) . فبهذا لا نستبعد أن يكون مسكويه قد عمر مائة سنة كاملة ( 320 - 421 ) إن لم نقل أكثر من ذلك ، وعاش قرنا كاملا هو ألمع القرون الإسلامية حضارة ، وهو عصر النهضة في الإسلام كما سماه آدم متز . وإذا عرفنا أن دولة البويهيين قد بدأت هي أيضا في سنة 320 ه‍ ، فيكون مسكويه والدولة البويهية ، تربين ، أو ، لدين ، تعاصرا قرنا كاملا . والسنوات المائة هذه كانت قمة ازدهار تلك الدولة . وأما السنوات المتبقية من عمر الدولة ( 27 - 421 - 448 ه‍ ) فهي سنوات تنحدر الأسرة البويهية فيها ، إلى الضعف والاضمحلال . فبذلك ، يصبح مسكويه وثيقة حية من أوثق وثائق تلك الحقبة التاريخية التي لها خصائص وميزات في تاريخ الفكر والعلم الإسلاميين ، وإن كانت بالنسبة للخلافة العباسية عصر تفكك وتعدد في مراكز الحكم ، وهذا بالذات ، أدى إلى تعدد مراكز العلم أيضا ، كما أدى إلى ازدهار تلك المراكز ، ونبوغ العلماء المنتمين إلى مختلف أرجاء العالم الإسلامي آنذاك ، وذلك لتنافس الأمراء وتفاخرهم فيما بينهم باجتذاب العلماء والأدباء إلى بلاطاتهم . فنبغ في غضون ذلك رجال علم وحكمة وأدب وسياسة عاصرهم مسكويه وعاصروه ، وكان مسكويه على اتصال وثيق بكثير منهم . مسكويه ، لا ابن مسكويه واختلفوا لا سيما في القرون الإسلامية الأخيرة في أنه : من هو الملقب بمسكويه ؟ هو ، أو أبوه محمد ، أو جده يعقوب ؟ . والواقع أن مسكويه لقبه هو ، وأما الاختلاف الموجود بهذا الصدد ، فيرجع