حسن الأمين
31
مستدركات أعيان الشيعة
سقيا لغير العلياء فالسند وغير اطلال مي بالجرد وقوله : يا واصف البيد والقفار ويا ناعت أسرابها ومكاها وواصف الربيع والرياض وما أشرف من نبتها وبهاها أحسن من ذاك نبت صافية تنزو إذا ما تدرعت ماها أعرض عن الربيع ان مررت به واشرب من الخمر أنت أصفاها وقوله : أيا باكي الاطلال غيرها البلى بكيت بعين لا يجف لها غرب أتنعت دارا قد عفت وتغيرت فاني لما سالمت من نعتها حرب وقوله : دع الاطلال تسفيها الجنوب وتبكي عهد جدتها الخطوب وخل لراكب الوجناء أرضا تحث بها النجيبة والنجيب ولا تأخذ عن الاعراب لهوا ولا عيشا ، فعيشهم جديب ذر الألبان يشربها أناس رفيق العيش عندهم غريب بأرض نبتها عشر وطلح وأكثر صيدها ضبع وذيب إذا راب الحليب فبل عليه ولا تحرج ، فما في ذاك حوب فأطيب منه صافية شمول يطوف بكاسها ساق أريب فهذا العيش ، لا خيم البوادي وهذا العيش ، لا اللبن الحليب فأين البدو من إيوان كسرى وأين من الميادين الزروب ؟ وقوله : عد عن رسم وعن كثب واله عنه بابنة العنب وقوله : يا أيها العاذل دع ملحاتي والوصف للموماة والفلاة دارسة وغير دارسات وأنف هموم النفس باللذات ثالثا - ما أخذه عليه أحمد أمين في كتابه « ضحى الإسلام » حين تعرض - أي أبو نواس - إلى أبي عبيدة والأصمعي ، قائلا : « أما أبو عبيدة فإنهم إن امكنوه قرأ عليهم أخبار الأولين والآخرين ، وأما الأصمعي فبلبل يطربهم بنغماته » . فقد رأى أحمد أمين في هذا الكلام تحيزا من أبي نواس لأبي عبيدة دون الأصمعي واستنتج من ذلك أن أبا نواس قد انتصر لأبي عبيدة لأنه فارسي ، ولأن الأصمعي عربي . هذه خلاصة ما يمكن استخلاصه من الأدلة التي ذكروها دليلا على شعوبية أبي نواس . فهل تصلح هذه الأدلة لاثبات ذلك ؟ - إذا واجهنا هذه الأدلة بنقد موضوعي ، وجدناها قاصرة عن إثبات الدعوى . ولننظر الآن في كل دليل على حدة : أولا - اما الاستدلال على شعوبيته بما يظهر من مدح للفرس وذم للعرب في شعره فهو مردود من وجهين : أ - لقد جاء في شعره أيضا ما يناقض ذلك تماما . . أي أنه قد مدح العرب وذم الفرس ، بل لقد كانت مدائحه للعرب من الكثرة بما لا يقاس به شعره الذي يظهر منه الذم لهم . . ومن أمثلة ذلك قوله في قصيدة من روائع شعره يمدح بها الفضل بن الربيع : من طلل لم أشجه وشجاني وهاج الهوى أو هاجه لاوان بلى ، فازدهتني للصبا أريحية يمانية . . ان السماح يماني وقوله في مدح القحطانيين : . . . فافخر بقحطان غير مكتئب فحاتم الجود من مناقبها ولا ترى فارسا كفارسها إذا زلت الهام عن مناكبها عمرو ، وقيس ، والاشتران وزيد الخيل ، أسد لدى ملاعبها بل مل إلى الصيد من اشاوسها والسادة الغر من مهالبها وحمير تنطق الرجال بما اختارت من الفضل في مراتبها أحبب قريشا لحب احمدها واعرف لها الجزل من مواهبها ان قريشا إذا هي انتسبت كان لنا الشطر من مناسبها وقوله في مدح الأمين العباسي : فمن ذا الذي يرمي بسهميك في العلا وعبد مناف والداك وحمير ؟ وقوله في قصيدة غزلية خمرية : وقهوة مثل عين الديك صافية من خمر عانة أو من خمرة السيب كان أحداقها والماء يفرغها في ساحة الكأس احداق اليعاسيب يسعى بها مثل قرن الشمس ذو كفل يشفي الضجيع بذي ظلم وتشنيب كأنه ، كلما حاولت نائله ذو نخوة قد نشا بين الأعاريب فهو في البيت الأخير إذ يريد ان يصف نخوة الساقي وإباءه ، لا يجد تشبيها لنخوته يصورها أحسن تصوير وأبلغه ، سوى نخوة العرب وإبائهم وحميتهم . . وذلك يدل على مبلغ شعوره بفضل هذه النخوة العربية التي يظهر منه انه مفتون بها ، وليس بعائب لها . ومقابل ذلك قد هجا أبو نواس قوما من علية الفرس في رأي المجتمع يومئذ ، وهم البرامكة ، إذ قال في كبير زعمائهم جعفر بن يحيى : لقد غرني من جعفر حسن بابه ولم أدر ان اللؤم حشو اهابه فلست وان أخطأت في مدح جعفر بأول إنسان خ . . . في ثيابه وقد هجا غيرهم من الفرس بمثل ذلك أيضا . . فهل إذن يصح الأخذ بمدح الفرس وذم العرب في بعض شعره دليلا على شعوبيته ، ما دام قد مدح العرب وذم الفرس في بعض آخر من شعره ؟ . . ب - والوجه الآخر الذي نرد به هذا الدليل ، هو ان أبا نواس حين كان يمدح أو يهجو ، في مثل تلك المناسبات التي رأيناها في ما تقدم ، لم يكن يمدح أو يهجو عن نزعة من نزعات التعصب لهؤلاء القوم أو أولئك ولا ضد هؤلاء أو أولئك ، وانما كان الأمر عنده محض بدوات نفسية آنية تهيجها المناسبة الطارئة ، ليعبر حينا عن ذلك الولع بالتحدي للمراءين من هذه الجماعة أو تلك ، وليعبر حينا آخر عن ثورة غضب عابرة ضد شخص بعينه لأمر له معه ليس هو بأكثر من أمر عابر كذلك ، وليعبر في أكثر الأحيان عن « مزاجه الخمري » إذا صح القول . . فقد كان هذا المزاج الملازم له يأبى أن يشغله عن خمره وندمانه ولذته جليس لا يتقيد ب « آداب الشراب » و « تقاليد المنادمة » ، بل يخرج عليها ليشغل جلساءه بشؤون الجد كالتفاخر بالنسب والعنجهيات القبلية في وقت يريد أبو نواس فيه أن يستغرق بكل حواسه في متعة الشراب ودنيا « الصفاء » . . . وأبو نواس نفسه يضع بأيدينا هذا التفسير « لمزاجه » ، حين ينص في الأبيات التالية على « حقوق » الصحب والندمان ، وهي التي سميناها « آداب