حسن الأمين
176
مستدركات أعيان الشيعة
وجد لي ببسط من ندى كفك التي إذا ما همى في مجدب آب مخصبا وخذ بيدي ذات اليمين بمحشري وكن شافعي فيه وإن كنت مذنبا عليك سلام الله ما هطل الحيا فأحيا رياض الممحلات وأعشبا محمد شرارة ابن الشيخ علي ولد في بنت جبيل ( جبل عامل ) سنة 1906 م وتوفي في بغداد سنة 1979 م ودفن في النجف الأشرف . درس دراسته الأولى في بنت جبيل وكان لوالده العالم الشاعر الأثر الكبير في تكوينه الأدبي ، فقد درس عليه علوم اللغة العربية وكان يجبره على حفظ غرر من قصائد الشعر العربي وهو لما يبلغ العاشرة من عمره ويعاقبه عقابا صارما إذا أخطأ ، وعند ما بلغ الرابعة عشرة أرسله والده إلى النجف الأشرف لمتابعة دراسته فيها فانتمى إلى الحلقات العلمية مواظبا فيها على تلقي علوم اللغة وعلوم الشريعة ، وفي الوقت نفسه عكف على دراسة اللغة الإنكليزية وتلقي العلوم الحديثة من المجلات والكتب وتتبع نتاج الفكر الأوروبي وما حققه في ميادين العلم والأدب والشعر . ثم أخذ يواصل نشر المقالات في الصحف العربية مركزا في بعضها على الهجوم على آفات الوضع الاجتماعي وعيوبه بعيدا عن التطرف والمغالاة في النظر إلى الأمور ، ومحاكمتها بروية وهدوء . فهو يقول مثلا في احدى مقالاته : « وعلى دعاة التجدد أيضا أن يفهموا أن في القديم روعة تتضاءل امامها روعة كثير من جديدهم الذي يدعون إليه ويبشرون به » . وهكذا مضى يعالج جميع القضايا الاجتماعية والدينية واللغوية التي دعا إلى إصلاحها وتخليصها من شوائب العادات وغبار الركود . وثمة ألوان أخرى من المقالات استقى مواضيعها من الحياة اليومية المألوفة . وكتب بعضها تحت عنوان « من صور الحياة » وهي صور أدبية تحمل انطباعاته وخواطره عن مجرى الأيام التي يحياها ، وهي تمضي بين العناء والرتابة وغضب الطبيعة وجمالها وسكون الحياة ويبوستها . وأولى مقالاته كانت سنة 1928 في مجلة العرفان . وكذلك فقد نشر أولى قصائده في المجلة نفسها في العام نفسه . وكانت أشعاره لونا من ألوان الشعر الوجداني العامر بالحب السامي ، المحاط بهالة من الخيال والمفعم بالنزعة الرومانتيكية المعبرة عن روحه الظماى للجمال والأماني الحلوة والعواطف الرقيقة . ويؤسفنا ان مجموعة شعره ليست الآن بين أيدينا لنعطي القارئ نماذج كاملة عن شعره في مختلف أدوار حياته ، وما سيراه القارئ بعد هذا الكلام منشورا من شعره ليس هو الذي كان يمكن أن نختاره ، ولكن كان مفروضا علينا اخذه لأنه وحده الشعر الذي وجدناه ونحن نقلب الصحف تفتيشا عن شعره . ونحب هنا ان لا يفوتنا ذكر هذين البيتين الذي قرأناهما خلال دراسة عنه : هي نظرة أخفت وراء طيوفها ليلى وعفراء الهوى ولداتها رفعتك للملإ العلي بلحنها وعن الورى شالتك في نغماتها ويتعالى في أجواء شعره صوت يشبه الألم والتأسي من الركود والجهل اللذين يسيطران على الناس ، وترفع المناداة لتنبيه قومه وايقاظهم من السبات الذي يغطون فيه ويتبرم من السكينة التي تلف الحياة وتكتنفها والتي تحتاج إلى انسام تنعش الروح وتمدها برعشات الفكر المستنير وترفدها بنبض حي قوي ولكن من يحرك مواطنيه ويوقظهم من غفوتهم : فمن ينبه قومي ويستثير العزائم ومن يفيق إذا ما كان المنبه نائم هيهات ينجح شعب يرى التكاسل حزما أيبصر النور قوم وقائد القوم أعمى وقد عالج الترجمة ، وكانت جل ترجماته لشاعر الهند « طاغور » ، كما ترجم قصصا لموباسان . وهكذا فقد كتب المقالة والقصة والقصيدة ومارس الترجمة وبرغم الظروف القاسية التي مرت به فيما بعد . فلم يتوقف عمله الأدبي عند منتصف الطريق ولم ينغلق ضمن اطار محدود ، ولم يصب أسلوبه بالتكرار سواء في مواضيعه أو لغته أو مضامينه . وكان أسلوبه متميزا في مختلف المواضيع التي طرقها ، ويشف عن روح شاعرية سواء في مقالاته أو قصصه أو تراجمة ناهيك عن قصائده ، ويتسم بميسم رومانتيكي وينم عن حسن مرهف تجاه الكلمة ووظيفتها الفنية في النص الأدبي . فأسلوبه النثري يناى عن العبارات التقريرية الصحفية التي تصوغ الفكرة بشكل مكرر ، خال من الروح الفنية ، فهو يحلق بالكلمة في دنيا الإبداع فتتفتح قوتها الداخلية وتكتسي بظلال شعرية وتتكشف نضارتها وليونتها ، وبذلك تنتعش الكلمة مفعمة بعبق الشعر وعذوبته باعثة في النفس الجمال والدفء والدهشة . أغنت فترة دراسته في النجف معلوماته وفتحت امكاناته الفكرية والفنية وأبرزت شخصه على مسرح الحياة الاجتماعية والأدبية ، وكانت بمثابة الأساس الصلب الذي استند اليه وانطلق منه ليشق طريقه في مجاهل الدنيا ومضاربها ، بعد قضاء ما ينيف على اربع عشرة سنة في الدراسة حصل فيها على أعلى ما يحصل عليه طالب من الإجازات العلمية . ولقد كانت النجف في تلك الآونة مركزا للاشعاع الفكري ، فقد ازدهرت فيها الحياة الثقافية وشهدت صدور العديد من الجرائد والمجلات مثل ( الهاتف ) و ( الحضارة ) و ( البيان ) و ( الغري ) وغيرها ، ورفدت العراق برعيل من المؤلفين والأدباء والشعراء والسياسيين والأساتذة نذكر منهم على سبيل المثال : الشيخ محمد رضا الشبيبي وأخاه الشيخ باقر والجواهري والشرقي والخليلي وسعد صالح . سنة 1936 م كانت حاسمة في حياة محمد شرارة فبعد أن بلغ ما بلغ في دراسته النجفية قرر السير في طريق جديد ، وكان قد تجنس بالجنسية العراقية فعين في وزارة المعارف أستاذا للأدب العربي في ثانويات العراق فتنقل بين الناصرية وكربلاء واربيل والحلة حتى استقر به المقام في بغداد في أواسط عشر الأربعين . ولم تنقطع صلته بالحياة الثقافية بالنجف واستمر ينشر في مجلتي الحضارة والهاتف ويساهم في معالجة المشاكل الفكرية والأدبية . ( 1 ) وفي العام 1948 بدأت الانتفاضات الشعبية على الوضع القائم ، وكانت له مشاركات فعالة في ذلك فاعتقل في كانون الثاني 1949 وظل معتقلا زهاء
--> ( 1 ) المتنبي بين البطولة والاغتراب .