حسن الأمين
158
مستدركات أعيان الشيعة
علم الرجال : موضوعه وأنواع كتبه حتى أيام الشيخ والنجاشي باجمال لعله من المفيد قبل ورودنا موضوع البحث ، يعنى « التعريف بالكتب الأربعة الأصلية في علم الرجال وتقييمها » ( 1 ) أن نلقي نظرة إجمالية حول الموضوع ، فنقدم نبذة تاريخية عن علم الرجال وفائدته . تعريف بعلم الرجال : يجدر بنا أولا ، أن نذكر بان « فن الرجال » في هذا البحث ، هو علم الرجال بمعناه العام ، الذي يمكن تعريفه بأنه : « علم معرفة قبيل من الناس يشتركون في جهة خاصة ، والاطلاع على أحوالهم أو أنسابهم أو تاليفاتهم أو بعض خصوصياتهم الأخرى » وعليه ، فان علم الرجال بمعناه الخاص ، من فهرست وتراجم وأنساب ومشيخة جميعا مندرج تحت ذلك التعريف . هذا ، لأن علم الرجال في اصطلاحه الخاص ، علم يبحث في معرفة رواة الحديث من حيث الاسم أو الأوصاف التي لها دخل في قبول أقوالهم ورواياتهم وردها . « فالفهرست » مجموعة تنتظم أسماء المؤلفين والمصنفين . « والمشيخة » عليها بيان أسانيد الحديث . و « التراجم » بصورة عامة هي شرح حال العلماء أو الرواة بدون الإشارة إلى ما يؤثر في الرواية من حيث القبول والرد من الجهات . وعلم الرجال باصطلاحه الخاص ، يقسم حسب الدواعي المختلفة إلى أقسام ومواضيع أكثر تحديدا ، كما تختلف الكتب الخاصة بهذه الأقسام في شكلها . فبعضها كتب عامة شاملة لأسماء الرواة ، لا تتعرض لتوفر الثقة فيهم أو عدمها ، مثل ، « طبقات الرجال » المحتمل تاليفه لأحمد بن أبي عبد الله البرقي ( المتوفى سنة 374 أو 380 ) ، وبعضها خاص بالممدوحين والمذمومين ، مثل ، كتاب ابن داود القمي ( المتوفى سنة 368 ) . والكتاب الأكثر تفصيلا منه أيضا لأستاذه أحمد بن محمد بن عمار الكوفي ( المتوفى سنة 346 ) . وبعضها يقتصر على أصحاب امام واحد ، مثل ، كتاب ابن عقدة ( المتوفى سنة 332 أو 333 ) الذي ألف خاصة لأصحاب الإمام الصادق ع واشتمل على أسماء أربعة آلاف راو . كما أن بعضها نظر إلى جهات أخرى خاصة ، ككتاب عبد العزيز بن يحيى الجلودي ( المتوفى سنة 332 ) المشتمل على أسماء العدة من صحابة الرسول الأكرم ص الذين رووا عن علي ع أو كتاب ابن زيدويه ( 2 ) في شرح حال « من روى من نساء آل أبي طالب » . وكتب أخرى نأتي إلى ذكر أسماء بعضها . نبذة تاريخية عن هذا العلم وتطوره بالإجمال حتى زمان الشيخ النجاشي : كان هذا العلم منذ القرون الأولى لظهور الإسلام محل عناية المسلمين ، ثم اتسع مجاله بالتدريج حسب تزايد الاحساس بالحاجة إليه . فلو أننا عرفنا علم الرجال بتلك العمومية التي سبق بيانها ، بمعنى ، اننا وسعنا اختصاصه إلى كتابة شرح الحال ، فان سابقة هذا العلم تعود إلى النصف الأول من القرن الإسلامي الأول . ففي حدود سنة 40 الهجرية . ( 3 ) جمع عبيد الله بن أبي رافع كاتب أمير المؤمنين علي ع أسماء العدة من أصحاب الرسول الأكرم ص الذين ساهموا مع علي في حروبه وحاربوا في صفه . والظاهر أنه هو أول من كتب كتابا في الرجال . والشيخ الطوسي ذكر هذا الكتاب في الفهرست باسم « تسمية من شهد مع أمير المؤمنين علي ع - الجمل وصفين والنهروان من الصحابة - رضي الله عنهم » كما ذكر سنده أيضا . وفي القرن الثالث الهجري ازدهر فن الرجال على أثر شيوع كتب الحديث ورواج أصول هذا العلم ومصنفاته ، فألفت ودونت في هذا الفن كتب كثيرة نسبيا ، لا يزال بعضها موجودا للآن ، وتعتبر من نفائس آثار الشيعة في هذا العلم . من جملتها : كتاب « طبقات الرجال » تأليف أحمد بن أبي عبد الله البرقي ( 4 ) الذي لا تزال نسخة ناقصة منه موجودة اليوم . وكتاب محمد بن أبي عبد الله بن جبلة بن حيان بن أبجر الكناني ( المتوفى سنة 219 ) ( 5 ) الذي عده الشيخ الطوسي في كتاب الرجال من أصحاب الإمام الكاظم . ونسب النجاشي إليه كتبا كثيرة منها كتاب في الرجال . ومجموعة أخرى من الكتب الرجالية في القرن الثالث عبارة عن : رجال ، حسن بن علي بن فضالة ( المتوفى سنة 224 ) ويقال أنه كان معروفا في زمن النجاشي وربما كان تابعا له ( 6 ) وكتاب رجال حسن ابن محبوب ( المتوفى سنة 224 ) باسم « معرفة رواة الأخبار » ( 7 ) وهو غير كتابه الآخر في « المشيخة » الذي رتبه أبو جعفر الأودي فصولا حسب ترتيب أسماء الرجال . وهناك أيضا كتاب رجال إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي ( 8 ) ( المتوفى سنة 283 ) وكتاب رجال حافظ أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف بن خراش المروزي البغدادي ( 9 ) ( المتوفى سنة 283 ) . وهكذا يتبين مما قلنا أن قول « السيوطي » في كتاب « الأوائل » من أن : أول مؤلف في علم الرجال ، شعبة بن الحجاج - من أئمة أهل السنة وتوفي سنة
--> ( 1 ) يقال أن المنظور من « تاريخ الرجال » المذكور في بعض الكتب في عداد فروع علم الرجال ، واختصت به بعض مصنفات القدماء ككتاب العقيقي ( الأب ) ، هو هذه التراجم . ( 2 ) هذه الكنية في بعض المصادر ( ابن ريدويه ) بالراء المهملة ، وضبطت في البعض الآخر ( ابن رويدة ) ، والكنية الواردة في المتن نقلت عن الفهرست للشيخ الطوسي . وعلى كل حال فالمقصود هو علي بن محمد بن جعفر بن عنبسة الجداد العسكري . ( 3 ) تم تحديد هذا التاريخ اعتمادا على قول الشيخ آقا بزرگ الطهراني في الذريعة ( ج 1 / 84 ) الا أنه بالتوجه إلى أن عبيد الله كان حتى أواخر القرن الأول الهجري على قيد الحياة ( الفهرست طبع النجف حاشية الصفحة 133 نقلا عن « التقريب » لابن حجر ) يصبح ذلك القول بلا دليل ، اللهم الا أن يكون تاليفه في سنوات في حدود الأربعين . ( 4 ) الذريعة ( ج 10 / 99 ) والاسناد المصفى / 79 . ان ما قيل عن مؤلف هذا الكتاب هو نظر العلامة الطهراني في كتابه القيم « الذريعة » وفي رسالته « المشيخية » أيضا المعروفة « بالاسناد المصفى » وهو في هذا النظر سائر على أثر النجاشي وربما على أثر بعض من أئمة الرجال الآخرين . وفريق آخر يعزو هذا الكتاب إلى أبيه أبي عبد الله محمد بن خالد البرقي . ولكن المحقق الرجالي المعاصر محمد تقي الشوشتري صاحب كتاب « قاموس الرجال » يرد هذين القولين ، ويعتبر أن مؤلف « طبقات الرجال » بقرينة طبقة الرواية هو عبد الله بن أحمد البرقي - من مشايخ رواية الكليني - أو أحمد بن عبد الله البرقي من مشايخ الصدوق الثاني . وهناك أيضا بين هذين الاثنين احتمال كون الثاني أقرب إلى الصواب . لمزيد من التفصيل ارجع إلى قاموس الرجال ج 1 / 31 - 32 . ( 5 ) فهرست النجاشي ، طبع الحروف طهران / 160 وضبط هذا التاريخ في قاموس الرجال نقلا عن فهرست النجاشي 229 . وبالرجوع إلى نسختي النجاشي المطبوعتين وإلى بعض الكتب الأخرى التي نقلت عن النجاشي مثل الذريعة وتأسيس الشيعة حصل الاطمئنان إلى وقوع صاحب القاموس أو المامقاني صاحب الرجال في خطا ( لأن القاموس يكاد يكون حاشية عليه ) . ( 6 ) الذريعة : ج 1 / 89 . ( 7 ) معالم العلماء : تأليف محمد بن علي بن شهرآشوب ( المتوفى سنة 588 ) طبع عباس إقبال / 28 أما في فهرست الشيخ الطوسي فلم يذكر الا المشيخة فقط دون هذا الكتاب . ( 8 ) الذريعة : ج 10 / رقم 147 . ( 9 ) الذريعة : ج 10 / رقم 154 .