محمد الريشهري

247

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

ليلا إلى بيوت الأنصار ، وبما اعتمده إذ ذاك من تخلّفه في بيته وإظهار أنّه قد انعكف على جمع القرآن ، وبسائر أنواع الحيل فيها ، لم تحصل له إلاّ بتجريد السيف كما فعل في آخر الأمر ولست ألوم العرب ، لا سيّما قريشاً في بغضها له ، وانحرافها عنه ؛ فإنّه وترها ، وسفك دماءها ، وكشفَ القناع في منابذتها ، ونفوس العرب وأكبادها كما تعلم ! وليس الإسلام بمانع من بقاء الأحقاد في النفوس ، كما نشاهده اليوم عياناً ، والناس كالناس الأُول ، والطبائع واحدة ، فاحسب أنّك كنت من سنتين أو ثلاث جاهلياً أو من بعض الروم ، وقد قتل واحدٌ من المسلمين ابنك أو أخاك ، ثمّ أسلمت ؛ أكان إسلامُك يُذهب عنك ما تجده من بغض ذلك القاتل وشنآنه ؟ كلاّ . إنّ ذلك لَغير ذاهب ، هذا إذا كان الإسلام صحيحاً ، والعقيدة محقّقة ، لا كإسلام كثير من العرب ؛ فبعضهم تقليداً ، وبعضهم للطمع والكسب ، وبعضهم خوفاً من السيف ، وبعضهم على طريق الحميّة والانتصار ، أو لعداوة قوم آخرين من أضداد الإسلام وأعدائه . واعلم أنّ كلّ دم أراقه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بسيفِ عليّ ( عليه السلام ) وبسيف غيره ؛ فإنّ العرب بعد وفاته ( عليه السلام ) عَصَبت ( 1 ) تلك الدماء بعليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) وحده ؛ لأنّه لم يكن في رهطه من يستحقّ في شرعهم وسنّتهم وعادتهم أن يُعصَب به تلك الدماء إلاّ بعليّ وحده ، وهذه عادة العرب إذا قُتل منها قتلى طالبت بتلك الدماء القاتلَ ؛ فإن مات أو تعذّرت عليها مطالبتُه ، طالبت بها أمثل الناس من أهله . . . . سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد رحمه الله ! فقلت له : إنّي لأعجبُ من

--> ( 1 ) أي قرنوا هذه الحال به ونسبوها إليه ( انظر النهاية : 3 / 244 ) .