محمد الريشهري

259

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

لا تُخطئ سهامه ، ولا تُؤْسى ( 1 ) جراحه . يرمي الحيَّ بالموت ، والصحيح بالسَّقَم ، والناجي بالعَطَب . آكلٌ لا يشبع ، وشارب لا ينقع . ومن العناء أنّ المرء يجمع ما لا يأكل ، ويبني ما لا يسكن ، ثمّ يخرج إلى الله تعالى لا مالاً حمل ، ولا بناء نقل ! ومن غيرها أنّك ترى المرحومَ مغبوطاً والمغبوط مرحوماً ، ليس ذلك إلاّ نعيماً زَلَّ ( 2 ) ، وبؤساً نزلَ . ومن عِبَرها أنّ المرء يُشرِف على أمله ، فيقطعه حضور أجله ؛ فلا أملٌ يُدرَك ، ولا مؤمَّلٌ يُترَك . فسبحان الله ! ما أعزّ سرورَها ! وأظمأ رِيَّها ! وأضحى فيئَها . لا جاء يُرَدّ ، ولا ماض يرتدُّ . فسبحان الله ! ما أقرب الحيَّ من الميِّت للحاقه به ، وأبعد الميِّت من الحيّ لانقطاعه عنه ! إنّه ليس شيء بشرّ من الشرّ إلاّ عقابه ، وليس شيء بخير من الخير إلاّ ثوابه . وكلُّ شيء من الدنيا سَماعه أعظم من عِيانه ، وكلُّ شيء من الآخرة عِيانه أعظم من سماعه ؛ فلْيكفكم من العِيان السماع ، ومن الغيب الخبر . واعلموا أنّ ما نقص من الدنيا ، وزاد في الآخرة خير ممّا نقص من الآخرة ، وزاد في الدنيا ؛ فكم من منقوص رابح ، ومزيد خاسر ! إنّ الذي أُمِرتم به أوسع من الذي نُهِيتم عنه . وما أُحلَّ لكم أكثر ممّا حُرِّم عليكم ؛ فذروا ما قلّ لما كثُر ، وما ضاق لما اتّسع . قد تكفّل لكم بالرزق وأُمرتُم بالعمل ؛ فلا يكوننّ المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم عمله ، مع أنّه والله لقد اعترض الشكّ ، ودَخِل اليقين ، حتى كأنّ الذي ضُمن لكم قد فُرض عليكم ، وكأنّ الذي قد فُرض عليكم قد وُضع عنكم . فبادِروا العمل ، وخافوا بغتة الأجل ؛ فإنّه لا يُرجى من رجعة العمر ما يُرجى من

--> ( 1 ) أسا الجرحَ : داواه . والأسا : المداواة والعِلاج ( لسان العرب : 14 / 34 ) . ( 2 ) زَلَّ يَزِلُّ : إذا مَرّ مروراً سريعاً ( لسان العرب : 11 / 307 ) .