محمد الريشهري
252
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
سلامة الأبدان ، ولم يعتبروا في أُنُف ( 1 ) الأوان . فهل ينتظر أهلُ بَضاضة ( 2 ) الشباب إلاّ حوانيَ الهرم ؟ وأهل غَضارة ( 3 ) الصحّة إلاّ نوازل السَّقَم ؟ وأهل مدّة البقاء إلاّ آونة الفناء ؟ مع قرب الزِّيال ، وأُزوف الانتقال ، وعَلَز ( 4 ) القلق ، وألَم المَضَض وغُصَص الجَرَض ( 5 ) ، وتَلَفُّت الاستغاثة بنصرة الحَفَدة والأقرباء والأعزّة والقُرَناء ! فهل دفعت الأقارب أو نفعت النواحب ، وقد غودر في محلّة الأموات رهيناً ، وفي ضيق المضجع وحيداً ، قد هتكت الهَوامّ جلدته ، وأبلت النواهك جِدَّته ، وعَفَت ( 6 ) العواصف آثاره ، ومحا الحَدَثان ( 7 ) معالمه ، وصارت الأجساد شَحِبةً بعد بَضَّتها ، والعظام نَخِرة بعد قوّتها ، والأرواح مرتَهنة بثِقَل أعبائها ، موقنة بغَيب أنبائها ، لا تُستزاد من صالح عملها ، ولا تُستعتب من سيّئ زَلَلها ! أوَلستم أبناء القوم والآباء ، وإخوانهم والأقرباء ، تحتذون أمثلتهم ، وتركبون قِدَّتهم ( 8 ) وتطؤون جادّتهم ؟ ! . فالقلوب قاسية عن حظّها ، لاهية عن رشدها ، سالكة في غير مضمارها ، كأنّ المعنِيّ سواها ، وكأنّ الرشد في إحراز دنياها !
--> ( 1 ) أُنُف : أي مستأنف استئنافاً ، وأُنْفة الشيء : ابتداؤه ( النهاية : 1 / 75 ) . ( 2 ) البَضاضة : رقّة اللون وصفاؤه الذي يؤثّر فيه أدنى شيء ( النهاية : 1 / 132 ) . ( 3 ) الغَضارة : النِّعمة والخَير والسَّعة في العَيش والخِصب والبَهجة ( تاج العروس : 7 / 311 ) . ( 4 ) العَلَز : خِفّة وهَلَع يُصيب الإنسان ( النهاية : 3 / 287 ) . ( 5 ) الجَرَض : أن تَبلغ الروحُ الحلقَ ( النهاية : 1 / 261 ) . ( 6 ) عفا الأثر : بمعنى دَرَسَ وامحى ( النهاية : 3 / 266 ) . ( 7 ) حَدَثان الدهر : نُوَبه وما يَحدث منه ( لسان العرب : 2 / 132 ) . ( 8 ) القِدّة : الطريقة ( لسان العرب : 3 / 344 ) .