محمد الريشهري

241

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

مكان الخوف ، فصاروا ملوكاً حكّاماً ، وأئمّة أعلاماً ، وقد بلغت الكرامة من الله لهم ما لم تذهب الآمال إليه بهم . فانظروا كيف كانوا حيث كانت الأملاء مجتمعة ، والأهواء مؤتلفة ، والقلوب معتدلة ، والأيدي مترادفة ، والسيوف متناصرة ، والبصائر نافذة ، والعزائم واحدة . ألم يكونوا أرباباً في أقطار الأرضين ، وملوكاً على رقاب العالمين ؟ فانظروا إلى ما صاروا إليه في آخر اُمورهم حين وقعت الفرقة ، وتشتّتت الاُلفة ، واختلفت الكلمة والأفئدة ، وتشعّبوا مختلفين ، وتفرّقوا متحاربين ، قد خلع الله عنهم لباس كرامته ، وسلبهم غَضارة نعمته . وبقي قصص أخبارهم فيكم عِبَراً للمعتبرين . فاعتبِروا بحال وُلْد إسماعيل وبني إسحاق وبني إسرائيل ( عليهم السلام ) ؛ فما أشدّ اعتدال الأحوال ، وأقرب اشتباه الأمثال ! تأمّلوا أمرهم في حال تشتّتهم وتفّرقهم ليالي كانت الأكاسرة والقياصرة أرباباً لهم ، يحتازونهم عن رِيف الآفاق ، وبحر العراق ، وخضرة الدنيا إلى منابت الشِّيح ، ومهافي ( 1 ) الريح ، ونَكَد المعاش . فتركوهم عالة مساكين ، إخوان دَبَر ( 2 ) وَوَبر ، أذلّ الاُمم داراً ، وأجدبهم قراراً . لا يأوون إلى جناح دعوة يعتصمون بها ، ولا إلى ظلّ أُلفة يعتمدون على عزّها . فالأحوال مضطربة ، والأيدي مختلفة ، والكثرة متفرقة ؛ في بلاءِ أزْل ( 3 ) ، وإطباق جهل ! من بنات موؤودة ، وأصنام معبودة ، وأرحام مقطوعة ، وغارات مشنونة . فانظروا إلى مواقع نِعَم الله عليهم حين بعث إليهم رسولاً ، فعقد بملّته طاعتهم ، وجمع على دعوته أُلفتهم ؛ كيف نشرت النعمة عليهم جناحَ كرامتها ، وأسالت لهم

--> ( 1 ) مهافي : جمع مهفىً ؛ وهو مَوضِع هبوبِها في البَراري ( النهاية : 5 / 267 ) . ( 2 ) الدَّبَر : الجرح الذي يكون في ظَهرِ البعير ( النهاية : 2 / 97 ) . ( 3 ) الأزْل : الشدّة والضيق ( لسان العرب : 1 / 46 ) .