محمد الريشهري

172

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

المحمول عليها ، أخرج به من هوامد الأرض النبات ، ومن زُعر ( 1 ) الجبال الأعشاب ، فهي تبهج بزينة رياضها ، وتزدهي بما أُلبسته من رَيط ( 2 ) أزاهيرها ، وحلية ما سُمطت به من ناضر أنوارها ، وجعل ذلك بلاغاً للأنام ورزقاً للأنعام وخرق الفجاج في آفاقها ، وأقام المنار للسالكين على جوادِّ طرقها . فلمّا مهّد أرضه وأنفذ أمره ، اختار آدم ( عليه السلام ) خِيرةً من خلقه ، وجعله أوّل جبلّته ، وأسكنه جنّته وأرغد فيها أكله ، وأوعز إليه فيما نهاه عنه ، وأعلمه أنّ في الإقدام عليه التعرّض لمعصيته والمخاطرة بمنزلته ، فأقدم على ما نهاه عنه - موافاةً لسابق علمه - فأهبطه بعد التوبة ليعمُر أرضه بنسله ، وليُقيم الحجّة به على عباده ، ولم يخُلهم بعد أن قبضه ، ممّا يؤكّد عليهم حجّة رُبوبيّته ، ويصل بينهم وبين معرفته ، بل تعاهدهم بالحُجج على ألسُن الخِيرة من أنبيائه ، ومتحمِّلي ودائع رسالاته ، قرناً فقرناً حتى تمّت بنبيّنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) حجّته ، وبلغ المقطعَ عُذرُه ونذرُه . وقدّر الأرزاق فكثّرها وقلّلها . وقسّمها على الضيق والسعة فعدل فيها ليبتلِيَ من أراد بميسورها ومعسورها ، وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيّها وفقيرها . ثمّ قرن بسعتها عقابيل ( 3 ) فاقتها ، وبسلامتها طوارق آفاتها ، وبفُرج أفراحها غُصص أتراحها . وخلق الآجال فأطالها وقصّرها ، وقدّمها وأخّرها ، ووصل بالموت أسبابها ،

--> ( 1 ) الزعر : قليلة النبات ( النهاية : 2 / 303 ) . ( 2 ) رَيط : جمع رَيطة : كلّ ثوب رقيق لَيّن ( النهاية : 2 / 289 ) . ( 3 ) العقابيل : بقايا المرض وغيره ، واحدها عُقبُول ( النهاية : 3 / 269 ) .