محمد الريشهري
143
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
عُرف أن لا قرين له . ضادّ النور بالظلمة ، والوضوح بالبهمة ، والجمود بالبلل ، والحَرور بالصرْد ( 1 ) . مؤلّفٌ بين متعادياتها ، مقارن بين متبايناتها ، مُقرِّب بين متباعداتها ، مفرّق بين متدانياتها . لا يُشمَل بحدّ ، ولا يُحسَب بعدٍّ ، وإنّما تَحُدّ الأدوات أنفسها ، وتُشير الآلات إلى نظائرها . منعتها " منذ " القِدْمةَ ، وحمتها " قد " الأزليّةَ ، وجنّبتها " لولا " التكملةَ ( 2 ) ! بها تجلّى صانعها للعقول ، وبها امتنع عن نظر العيون ، ولا يجري عليه السكون والحركة ، وكيف يجري عليه ما هو أجراه ، ويعود فيه ما هو أبداه ، ويحدث فيه ما هو أحدثه ! إذاً لتفاوتت ذاته ، ولتجزّأ كنهه ، ولامتنع من الأزل معناه ، ولكان له وراء إذ وجد له أمام ، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان . وإذاً لقامت آيةٌ المصنوع فيه ، ولتحوّل دليلا بعد أن كان مدلولا عليه ، وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثّر فيه ما يؤثّر في غيره . الذي لا يحول ولا يزول ، ولا يجوز عليه الأُفول . لم يلد فيكون مولوداً ، ولم يولد فيصير محدوداً . جلّ عن اتّخاذ الأبناء ، وطهر عن ملامسة النساء .
--> ( 1 ) الحرور : الريح الحارّة بالليل ، وقد تكون بالنهار . والصرَد : البَرد وقيل : شِدّته ( لسان العرب : 4 / 177 وج 3 / 248 ) . ( 2 ) قال ابن أبي الحديد ما خلاصته : تقدير الكلام - على القول بنصب القدمة والأزليّة والتكملة - : أنّ إطلاق لفظة " منذ " على الآلات والأدوات يمنعها عن كونها قديمة ؛ لأنّ لفظة " منذ " وضعت لابتداء الزمان ، والقديم لا ابتداء له . . . . وتقديره - على القول برفعها - أنّ قِدم الباري وأزليّته وكماله منعت الأدوات والآلات من إطلاق لفظة " منذ " و " قد " و " لولا " عليه سبحانه ؛ لأنّ الله تعالى قديم كامل ، ولفظتا " منذ " و " قد " لا يطلقان إلاّ على محدَث ، ولفظة " لولا " لا تُطلَق إلاّ على ناقص . . . ( شرح نهج البلاغة : 13 / 76 و 77 ) .