محمد الريشهري
6
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
الفضيلة لهذا المظهر الجميل للروح الإنسانيّة استغلالاً سيّئاً ، فألجؤوا الشعراء إلى إنشاء المدائح الذليلة المذلّة الجارحة للعزّ والشمم ، وسجّلوا بهذا إحدى الصفحات السوداء للأدب والثقافة البشريّة . وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) - وهو نبيّ الحرّية والكرامة الإنسانيّة - : " احثوا في وجوه المدّاحين الترابٍّ " ( 1 ) . وقال أيضاً مبيّناً ما في مدح الجبّارين والأقوياء من شديد القبح والوضاعة والحقارة : " إذا مُدح الفاجر اهتزّ العرش وغضب الربّ " ( 2 ) . بيد أنّه ( صلى الله عليه وآله ) كان من جهة أُخرى يثني على الشاعر الذي ينشد في الحقّ ، ويرفع صوته بمكرمة إنسانيّة ؛ ويدعو له ، ويثمّن عمله ، كما أثر عنه ( صلى الله عليه وآله ) لمّا سمع أبياتاً من رائيّة النابغة الجعدي أنّه دعا له قائلاً : " لا يفضض الله فاك . . . " ( 3 ) . وكان هناك شعراء منذ قديم الأيّام لم يطيقوا مدح الظلم والولاء له ، ولم يَرُقْهم الثناء على الظالمين ، بل كانوا ينشدون ملاحم المجد والعظمة والبهاء ، ويشيدون بالجمال والنور وصانعيه ، وكان دأبهم التواضع لوهج شمس الحقيقة المتألّقة . وهكذا كان منهم من وقف أمام القمّة الشاهقة لشخصيّة مولى الموحّدين وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، ومدحوا ذلك الطود الأشمّ ، الفيّاض بالمكارم ، الذي تستمدّ منه وجودها جميع القيم الإنسانيّة الربّانيّة الرفيعة ، وسطّروا في كلماتهم معالي ذلك الإنسان العظيم ، وشجاعته ، وشهامته ، واستبساله ، وعشقه ، وولهه في الله تعالى ، وقدّموها لجميع الأجيال والأعصار .
--> ( 1 ) الأمالي الصدوق : 512 / 707 ، بحار الأنوار : 73 / 294 / 1 وج 76 / 331 . ( 2 ) تحف العقول : 46 ، بحار الأنوار : 77 / 152 / 84 . ( 3 ) الغيبة للطوسي : 119 .