محمد الريشهري
132
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
وضَعَني في حِجره وأنا ولد يَضمُّني إلى صدره ، ويَكنفني في فراشه ، ويُمسّني جسده ، ويُشمّني عَرْفَه ( 1 ) . وكان يمضغ الشيء ثمّ يُلقمنيه . وما وجد لي كذبةً في قول ، ولا خَطلةً في فعل . ولقد قَرنَ اللهُ به ( صلى الله عليه وآله ) مِن لَدُن أنْ كان فطيماً أعظم مَلَك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ، ومحاسن أخلاق العالم ، ليلَه ونهارَه . ولقد كنتُ أتّبعه اتّباعَ الفصيل أثرَ أُمِّه ، يَرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً ، ويأمرني بالاقتداء به . ولقد كان يجاور في كلِّ سنة بحِراء فأراه ، ولا يراه غيري . ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غيرَ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وخديجة وأنا ثالثهما . أرى نور الوحي والرسالة ، وأشمّ ريح النبوّة . ولقد سمعتُ رَنّةَ الشيطان حين نزل الوحي عليه ( صلى الله عليه وآله ) فقلتُ : يا رسول الله ، ما هذه الرنّة ؟ فقال : هذا الشيطان قد أيسَ من عبادته . إنّك تسمع ما أسمع ، وترى ما أرى ، إلاّ أنّك لست بنبيّ ، ولكنّك لَوزيرٌ وإنّك لَعلى خير " ( 2 ) . وقال ابن أبي الحديد - في بيان قوله ( عليه السلام ) : " إنّي وُلدتُ على الفطرة " - : " ومراده هاهنا بالولادة على الفطرة أنّه لم يولد في الجاهليّة ؛ لأنّه ولد ( عليه السلام ) لثلاثين عاماً مضت من عام الفيل ، والنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أُرسل لأربعين سنة مضت من عام الفيل . وقد جاء في الأخبار الصحيحة أنّه ( صلى الله عليه وآله ) مكث قبل الرسالة سنين عشراً يسمع الصوت ويرى الضوء ، ولا يخاطبه أحد ، وكان ذلك إرهاصاً لرسالته ( عليه السلام ) ، فحُكم تلك السنين العشر حكم أيّام رسالته ( صلى الله عليه وآله ) ، فالمولود فيها إذا كان في حجره وهو المتولّي لتربيته مولود في أيّام كأيّام النبوّة ، وليس بمولود في جاهليّة محضة ، ففارقت حاله حال من يُدّعى له من الصحابة مماثلته في الفضل .
--> ( 1 ) العَرْف : الريح الطيّبة ( النهاية : 3 / 217 ) . ( 2 ) راجع : عليّ عن لسان عليّ / المكانة عند رسول الله / القرابة القريبة .