محمد الريشهري
66
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
وتفقّد ما يُصلح أهل الخراج ؛ فإنّ في صلاحه وصلاحهم صلاحاً لمن سواهم ، ولا صلاح لمن سواهم إلاّ بهم ؛ لأنّ الناس كلّهم عيال على الخراج وأهله . فليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ؛ فإنّ الجلب لا يدرك إلاّ بالعمارة ، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد ، وأهلك العباد ، ولم يستقِم له أمره إلاّ قليلاً . " فاجمع إليك أهل الخراج من كلّ بلدانك ، ومُرهم فليُعلموك حال بلادهم وما فيه صلاحهم ورخاء جبايتهم ، ثمّ سَل عمّا يرفع إليك أهل العلم به من غيرهم " ؛ فإن كانوا شكوا ثقلاً أو علّة من انقطاع شرب أو إحالة أرض اغتمرها غرق أو أجحف بهم العطش أو آفة خفّفتَ عنهم ما ترجو أن يصلح الله به أمرهم ، " وإن سألوا معونة على إصلاح ما يقدرون عليه بأموالهم فاكفهِم مؤونته ؛ فإنّ في عاقبة كفايتك إيّاهم صلاحاً ، فلا يثقلنّ عليك شيء خفّفت به عنهم المؤونات " ؛ فإنّه ذخر يعودون به عليك لعمارة بلادك ، وتزيين ولايتك ، " مع اقتنائك مودّتهم وحسن نيّاتهم ، واستفاضة الخير ، وما يسهّل الله به من جلبهم ، فإنّ الخراج لا يُستخرج بالكدّ والأتعاب ، مع أنّها عقد ( 1 ) تعتمد عليها إن حدثَ حدثٌ كنتَ عليهم معتمداً " ؛ لفضل قوّتهم بما ذخرت عنهم من الجَمام ( 2 ) ، والثقة منهم بما عوّدتهم من عدلك ورفقك ، ومعرفتهم بعذرك فيما حدث من الأمر الذي اتّكلت به عليهم ، فاحتملوه بطيب أنفسهم ، فإنّ العمران محتمل ما حمّلته ، وإنّما يؤتى خراب الأرض لإعواز أهلها ، وإنّما يعوز أهلها لإسراف الولاة وسوء ظنّهم بالبقاء وقلّة انتفاعهم بالعبر .
--> ( 1 ) العُقدة : كلّ شيء يستوثق الرجل به لنفسه ويعتمد عليه ( لسان العرب : 3 / 299 ) . ( 2 ) الجَمام : الراحة ( لسان العرب : 12 / 105 ) .