محمد الريشهري

284

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

بنعمائها وفزت بحبائها ، وأحرزت سوابقها ، وذهبت بفضائلها ، لم تفلل حجّتك ، ولم يزُغ قلبك ، ولم تضعف بصيرتك ، ولم تجبن نفسك ولم تخُر . كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف ، وكنت كما قال : آمن الناس في صحبتك وذات يدك ، وكنت كما قال : ضعيفاً في بدنك ، قويّاً في أمر الله ، متواضعاً في نفسك ، عظيماً عند الله ، كبيراً في الأرض ، جليلاً عند المؤمنين ، لم يكن لأحد فيك مهمز ، ولا لقائل فيك مغمز ، ولا لأحد فيك مطمع ، ولا لأحد عندك هوادة ، الضعيف الذليل عندك قويّ عزيز حتى تأخذ له بحقّه ، والقويّ العزيز عندك ضعيف ذليل حتى تأخذ منه الحقّ ، والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء ، شأنك الحقّ والصدق والرفق ، وقولك حكم وحتم وأمرك حلم وحزم ، ورأيك علم وعزم فيما فعلت ، وقد نهج السبيل ، وسهل العسير وأُطفئت النيران ، واعتدل بك الدين ، وقوي بك الإسلام ، فظهر أمر الله ولو كره الكافرون ، وثبت بك الإسلام والمؤمنون ، وسبقت سبقاً بعيداً ، وأتعبت مَن بعدك تعباً شديداً ، فجللت عن البكاء ، وعظمت رزيّتك في السماء ، وهدّت مصيبتك الأنام ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، رضينا عن الله قضاه ، وسلّمنا لله أمره ، فوَالله لن يُصاب المسلمون بمثلك أبداً . كنت للمؤمنين كهفاً وحصناً ، وقُنّة ( 1 ) راسياً ، وعلى الكافرين غلظة وغيظاً ، فألحقك الله بنبيّه ، ولا أحرمنا أجرك ، ولا أضلّنا بعدك . وسكت القوم حتى انقضى كلامه وبكى وبكى أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ثمّ طلبوه فلم يصادفوه ( 2 ) .

--> ( 1 ) القُنّة : أعلى الجبل ، وهو على الاستعارة ( مجمع البحرين : 3 / 1518 ) . ( 2 ) الكافي : 1 / 454 / 4 ، كمال الدين : 388 / 3 ، الأمالي للصدوق : 312 / 363 كلاهما نحوه ، بحار الأنوار : 42 / 303 / 4 وج 100 / 354 / 1 .