محمد الريشهري

190

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

لقد كان على الإمام أن ينهض في هذه البرهة بالعبء وحده ، وأن يبادر لملء الفراغات جميعاً ، وأن يمضي حتى آخر لحظة من حياته على السبيل ذاتها التي اختطّها لحكمه ، وأعلنها منذ اليوم الأوّل . ولقد حدث هذا تماماً . تعالوا معنا نرقب المشهد عن كثب ؛ في مجتمع لم تكن النخبة على استعداد لمسايرته ، ولم يكن الخواصّ راضين بمماشاته ، وكان العوامّ تبعاً لأُولئك ؛ وفي فضاء ينضح بشبهة قتال أهل القبلة ، ومحاربة شخصيّات لها في هذا الدين سابقة ، وهي إلى ذلك تتسربل وشاح القدسيّة وتتظاهر به ؛ وفي ظلّ أوضاع قاتمة انقلب فيها المقاتلون إلى حالة مطبقة من التآكل والضجر بعد ثلاثة حروب دمويّة أمضوها في سنتين من دون غنائم ومكاسب مادّيّة تذكر . وفي مشهد غاب عنه كبار أصحاب الإمام وخلّص حواريه ، وفي الوقت الذي راح جيش معاوية يواصل غاراته على الناس من دون انقطاع ، في أجواء مكفهرّة كهذه ، كم هي الكفاءة التي يحتاج إليها القائد لكي يحثّ الجمهور على العودة إلى القتال ، ويعبّئه لحرب معاوية مجدّداً من دون أن يتوسّل بمنطق القوّة ؟ لقد كان الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) يحظى بهذه الكفاءة كلّها ، وخير ما يشهد لهذه الكفاءة ويفصح عن هذا الادّعاء بجلاء هو الخطبة الحماسيّة التي كان قد ألقاها الإمام قبل بعث الجند إلى صفّين مجدّداً ، فعن نوف البكالي ، قال : " خطبنا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالكوفة وهو قائم على حجارة نصبها له جعدة بن هبيرة المخزومي ، وعليه مدرعة من صوف ، وحمائل سيفه ليف ، وفي رجليه نعلان من ليف ، وكأن جبينه ثَفَنةُ بعير " . وفي نهاية الخطبة نادى الإمام بأعلى صوته : " الجهاد الجهاد عبادَ الله ! ألا وإنّي مُعسكِرٌ في يومي هذا ، فمن أراد الرواح إلى الله فليخرج !