محمد الريشهري

186

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

والإحباط والتعب من الحرب ، ومن ثمّ عدم طاعة الإمام والانقياد له ، يفوق ما كان لشبهة قتال أهل القبلة . لقد اعتاد المقاتلون الحصول على غنائم وافرة في العهود التي سبقت عهد الإمام ، من خلال حروب الكفّار ، وبالأخصّ حروب فارس والروم . أمّا الآن فقد راح الإمام ( عليه السلام ) يدعوهم منذ أوائل أيّام حكمه - ولأوّل مرّة - إلى حرب لا غنيمة من ورائها ، أو أن يكون نصيبهم منها ضئيلاً لا قيمة له . وهذا ما لم يألفه الناس قبل ذلك ، ومن ثمّ لم يكونوا على استعداد لقبوله كما يبدو . لقد كان اقتران الحرب بالغنيمة أمراً ذا مغزى للجمهور الذي يعيش في ذلك العصر . وعندما ننظر إلى القاعدة الشعبيّة التي رافقت الإمام ( عليه السلام ) في حروبه وشهرت السيف معه ضدّ أصحاب الفتنة ، نجدها في الغالب غير متحلّية بالبصيرة ، ولا ملتمسة منار الحقّ ، بحيث يكون الحقّ هو هدفها في إشهار السيف ، ورضا الله هو الغاية القصوى التي تتمنّاها من القتال ، بل كان الجمّ الغفير من هؤلاء يفكّر بمنافعه الشخصيّة قبل أن يفكّر بالحقّ ومصلحة الدين . فمن بين الاعتراضات التي طالما كرّرها جند الإمام في حربي الجمل والنهروان ، هو : لماذا لا يسلبون نساء القوم ويتّخذونهنّ سبايا وأُسارى ؟ ولماذا لا توزّع عليهم أموالهم ؟ قال ابن أبي الحديد بهذا الصدد : " اتّفقت الرواة كلّها على أنّه ( عليه السلام ) قبض ما وجد في عسكر الجمل ؛ من سلاح ودابّة ومملوك ومتاع وعروض ، فقسّمه بين أصحابه ، وأنّهم قالوا له : اقسم بيننا أهل البصرة فاجعلهم رقيقاً ، فقال : لا . فقالوا : فكيف تحلّ لنا دماءهم وتحرِّم علينا سبيهم ؟ ! " ( 1 ) .

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة : 1 / 250 . راجع : القسم السادس / وقعة الجمل / بعد الظفر / غنائم الحرب .