محمد الريشهري
11
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
واقعة النهروان أقبل بهم أمير المؤمنين ، فأنزلهم النُّخَيلة ، وأمر الناس أن يلزموا معسكرهم ويوطّنوا على الجهاد أنفسهم ، وأن يُقِلّوا زيارة النساء وأبنائهم حتى يسير بهم إلى عدوّهم ، وكان ذلك هو الرأي لو فعلوه ، لكنّهم لم يفعلوا ، واقبلوا يتسلّلون ويدخلون الكوفة ، فتركوه ( عليه السلام ) وما معه من الناس إلاّ رجال من وجوههم قليل ، وبقي المعسكر خالياً ، فلا مَن دخل الكوفة خرج إليه ، ولا من أقام معه صبر ، فلمّا رأى ذلك دخل الكوفة . قال نصر بن مزاحم : فخطب الناسَ بالكوفة ، وهي أوّل خطبة خطبها بعد قدومه من حرب الخوارج ، فقال : أيّها الناس ! استعدّوا لقتال عدوّ في جهادهم القربة إلى الله عزّ وجلّ ، ودرك الوسيلة عنده ؛ قوم حَيارى عن الحقّ لا يبصرونه موزَعِين ( 1 ) بالجور والظلم لا يعدلون به ، جفاة عن الكتاب ، نُكْب عن الدين ، يعمهون ( 2 ) في الطغيان ، ويتسكّعون في غمرة الضلال ، فأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل وتوكّلوا على الله ، وكفى بالله وكيلاً . قال : فلم ينفروا ولم يَنشَروا ( 3 ) ، فتركهم أيّاماً ، ثمّ خطبهم فقال ( 4 ) : أُفٍّ لكم ! لقد سئمت عتابكم ! أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضاً ، وبالذلّ من العزّ خلفاً ؟ إذا دعوتكم إلى جهاد عدوّكم دارت أعينكم ، كأنّكم من الموت في غمرة ، ومن الذهول في سكرة . يُرتَج عليكم حِواري فتعمهون ، فكأنّ قلوبكم مألوسة ، فأنتم
--> ( 1 ) مُوْزَع به : أي مولَع به ، وقد أُوزع بالشيء : إذا اعتاده ، وأكثر منه ( النهاية : 5 / 181 ) . ( 2 ) من العَمَه : التحيّر والتردّد . والعَمَهُ في الرأي ، والعَمَى في البصر ( لسان العرب : 13 / 519 ) . ( 3 ) يُقال : جاء القوم نَشَراً ؛ أي منتشرين متفرّقين ( النهاية : 5 / 55 ) . ( 4 ) من هنا إلى آخر الخطبة نقلناه من نهج البلاغة : الخطبة 34 .