محمد الريشهري

291

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

لله ( 1 ) . وبعد أن انكشفت أسرار المؤامرة قليلاً هبّ أولئك المخدوعون فاتّهموا عليّاً ( عليه السلام ) بالإثم ، وطلبوا منه أن يتوب . وعندما أراد ( عليه السلام ) أن يُخمد نار الفتنة بأُسلوب لطيف ، ويُعبّئ الناس نحو الشام واصل الأشعث إثارته للفتنة ، وحاول أن يُرجع المخدوعين الذين كانوا عازمين على الذهاب مذعنين بالحقّ إلى موضعهم الأوّل ، فزاد بذلك إيقاد الفتنة ( 2 ) . وهكذا زرع الأشعث بذرة الفتنة ، واتّخذ سبيله مع أشخاص كثيرين ، وخرج من جيش الإمام ( عليه السلام ) ، وقصد الكوفة . وكان الأشعث ملوّث النفس ، سقيم الفكر ، ذا موقف معاد ، واستطاع أن يمارس دوراً خبيثاً مؤثّراً في إثارة الفتنة إبّان حرب النهروان . وكان يتّخذ المواقف من منطلق الأهواء ، والميول المادّية ، والعصبيّات القَبَليّة متلبّساً برداء المعايير الإلهيّة والإنسانيّة ، وحريّ بالذكر أيضاً أنّ الإمام ( عليه السلام ) عندما اختار عبد الله بن عبّاس للتحكيم قال الأشعث : لا والله ، لا يحكم فيها مُضريّان حتى تقوم الساعة ، ولكن اجعله رجلاً من أهل اليمن إذ جعلوا رجلاً من مُضَر ، فقال عليّ : إنّي أخاف أن يُخدع يمنيُّكم ؛ فإنّ عمراً ليس من الله في شيء إذا كان له في أمر هوى . فقال الأشعث : واللهِ لأنْ يحكما ببعض ما نكره وأحدُهما من أهل اليمن ، أحبُّ إلينا من أن يكون بعض ما نحبّ في حكمهما وهما مُضَريّان . وهكذا فالعصبيّة القبليّة والعريكة الجاهليّة التي كان عليها الأشعث وعدد من

--> ( 1 ) وقعة صفّين : 512 . ( 2 ) شرح نهج البلاغة : 2 / 280 .