محمد الريشهري

275

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

قال : ذلك ممّا يجدون في أنفسهم ( 1 ) . والنقطة اللافتة للانتباه في هذا الحوار هي أنّ السائل يجد صعوبة في أن يقرّ بأنّ رجالاً يشهرون سيوفهم ويقاتلون دفاعاً عن عقيدة مشوبة بالشّك والارتياب . وجواب الإمام ( عليه السلام ) هو أنّهم لا ينطلقون في تحرّكهم من وحي عقيدة راسخة معيّنة ، بل من وحي عواطف باطنيّة دعتهم إلى اتّخاذ مثل ذلك الموقف ، وهذه النقطة شديدة الإثارة للتأمّل والدعوة إلى الاعتبار ، فقد يحدث - بل كثيراً ما يحدث - أن يقع الإنسان دونما تفكير أسيراً لعواطفه دفعةً واحدة ، في المواطن المثيرة والمواضع التي تحكمها اللحظة الحاضرة إلى درجة يتعطّل معها عقله بغتةً ، وهو يعيش إعصار العاطفة ، فإذا ما سكن هذا الإعصار وهدأت فورته يفهم الراكب موجته ماذا كان فعل ، وكيف فَقَدَ كنزه ! وكلام الإمام ( عليه السلام ) يدلّ على أنّ تحرّك المارقين لم يعتمد على عقيدة راسخة . وفيما ذكرناه - وفي غيره من الحقائق التي تصدق على حياة بعضهم - إنارة وبيان لهذه الحقيقة . 2 - حبّ الدنيا يمكن أن نعدّ حبّ الدنيا وتأثير مغرياتها العامل الثاني لانحراف الخوارج ، مهما تعدّدت أشكال هذا الحبّ ومؤشّراته . وهذا الموضوع في الحقيقة أهمّ عامل في زيغ التيّارات الثلاثة : الناكثين والقاسطين والمارقين . وقد تعرّض الإمام ( عليه السلام ) إلى هذه الحقيقة في كلام عميق له قال فيه : " فلمّا نهضتُ بالأمر نكثت طائفة ، ومرَقَت أُخرى ، وقَسَط آخرون ، كأنّهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول : ( تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي

--> ( 1 ) تهذيب الأحكام : 6 / 145 / 251 .