محمد الريشهري

250

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

أو لم يريدوا أن يدركوا بأنّ رفع المصاحف على الرماح لم يكن إلاّ مكيدة أراد بها الشاميّون إيقاف القتال ؟ ولماذا لم يُصغوا لكلام إمامهم ، وأرغموه على قبول التحكيم ؟ ينبغي الإجابة عن هذا السؤال بالقول : إنّه وإن كان ثمّة أفراد في جيش الإمام كانوا طوع أمره ، وأرادوا أن تستمرّ المعركة حتّى انتصار جيش الكوفة ، إلاّ أنّ الوثائق التاريخيّة تُثبت أنّ الأكثريّة العظمى من جيش الإمام كانت قد سئمت الحرب أوّلاً ، وكانوا يعلمون أنّهم حتى لو انتصروا فلن يحصلوا على أيّة غنائم - مثلما حدث في معركة الجمل - ثانياً ؛ ومن هنا فهم كانوا يفتقدون الدوافع المحفزة على مواصلة القتال . وعندما عرض عديّ بن حاتم على الإمام ( عليه السلام ) مواصلة الحرب قائلاً : يا أمير المؤمنين ، ألا نقوم حتى نموت ؟ قال عليّ ( عليه السلام ) : " ادنُهْ " ، فدنا حتّى وضع أُذنه عند أنفه ، فقال : " ويحك ! إنّ عامّة من معي يعصيني ، ومعاوية فيمن يُطيعه ولا يعصيه " . نعم ، فقد كان قرّاء الكوفة - الذين كان لهم دور أساسي في جيش الإمام - من جملة هذه الشِّرْذِمة ، ونظراً لمكانتهم بين أهل الكوفة ، فقد أصبح لهم الدور الأكبر في صياغة هذا المشهد الأليم ، وكان جهلهم وغرورهم بمثابة الغشاء الذي حال بينهم وبين إدراك الخدعة التي لجأ إليها الشاميّون برفع المصاحف على الرماح لغرض إيقاف الحرب والحيلولة دون هزيمتهم المتوقّعة ، وقد أدّى التطرّف الديني ( 1 ) - المقرون بالجهل والحماقة - بهؤلاء العبّاد الجهلة إلى إرغام إمامهم على قبول التحكيم .

--> ( 1 ) راجع : وقعة النهروان / دراسة حول المارقين وجذور انحرافهم .