محمد الريشهري
216
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
بسم الله الرحمن الرحيم مِن الوالد الفانِ ، المقرّ للزمان ، المدبر العمر ، المستسلم للدهر . الذامّ للدنيا ، الساكن مساكن الموتى ، والظاعن عنها غداً . إلى المولود المؤمِّل ما لا يُدرَك ، السالك سبيل من قد هلك ، غرض الأسقام ، ورهينة الأيّام ، ورَميّة المصائب ، وعبد الدنيا ، وتاجر الغرور ، وغريم المنايا ، وأسير الموت ، وحليف الهموم ، وقرين الأحزان ، ونُصب الآفات ، وصريع الشهوات ، وخليفة الأموات . أمّا بعد ، فإنّ فيما تبيّنتُ من إدبار الدنيا عنّي ، وجموح الدهر عليَّ ، وإقبال الآخرة إليَّ ، ما يزَعُني ( 1 ) عن ذكر من سوايَ ، والاهتمام بما ورائي ، غير أنّي حيثُ تفرّد بي دون هموم الناس همُّ نفسي ، فصدفني رأيي ، وصرفني عن هواي ، وصرّح لي محضُ أمري ، فأفضى بي إلى جدٍّ لا يكون فيه لعبٌ ، وصدق لا يشوبه كذبٌ . ووجدتك بعضي ، بل وجدتك كلّي حتى كأنّ شيئاً لو أصابك أصابني ، وكأنّ الموت لو أتاك أتاني ، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي ، فكتبت إليك مستظهراً به إن أنا بقيتُ لك أو فنيتُ . فإنّي أُوصيك بتقوى الله - أي بُنيَّ - ولزوم أمره ، وعمارة قلبك بذكره ، والاعتصام بحبله . وأيُّ سبب أوثق من سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به ؟ ! أحي قلبك بالموعظة ، وأمته بالزهادة ، وقوّهِ باليقين ، ونوّرهُ بالحكمة ، وذلّلهُ بذكر الموت ، وقرّره بالفناء ، وبصّرهُ فجائع الدنيا ، وحذّره صولة الدهر وفحش تقلّب الليالي والأيّام ، واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكّره بما أصاب من كان
--> ( 1 ) وَزَعه يَزَعُه وَزْعاً : إذا كَفَّهُ ومَنَعَهُ ( النهاية : 5 / 180 ) .