محمد الريشهري
34
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
لتشكو حيف رعاتها ، فإنني اليوم لأشكو حيف رعيّتي " . وهكذا مضى عليّ وقد اصطحب العدالة معه ، وهذه هي مسؤوليتنا حاضراً في أن نتعلّم من أُولئك ونأخذ العبرة منهم ، ونوطّئ الأرضيّة المطلوبة لاستقرار العدالة الاجتماعيّة . 3 - تنمية الحرّيات المشروعة والبنّاءة تأتي الحرّية خطوة أُولى في سبيل تحقيق العدالة واحترام حقوق الأُمّة ، بيدَ أنّ المراد منها هو الحريّة البنّاءة لا الهدّامة ، حريّة الانعتاق من أسار القيود الداخليّة ( الذاتيّة ) والأغلال الخارجيّة . هذه الحرّية هي نفسها التي دعا القرآن إليها الناس ، في قوله سبحانه : ( وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ ) . وهي ذاتها التي عناها الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وعدّها بمنزلة فلسفة بعثة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، وهو يقول : " إنّ الله بعث محمّداً ليُخرج عباده من عبادة عبادهِ إلى عبادته . . . ومن ولاية عباده إلى ولايته " . في المنهج العلوي الناس أحرار بأجمعهم ولا يسوغ أن يكونوا عبيد غيرهم ، وأنّ ما يجرّ الإنسان إلى نير العبوديّة ، ويدفع الأنظمة إلى التجبّر والتسلّط والطغيان ، هي الأغلال الداخليّة والعبوديّة الباطنيّة . فإذا ما أراد المجتمع الإنساني أن يرتقي ذرى الحرّية ، ويبلغ الاستقلال الحقيقي ، فيتحتّم عليه في البدء أن يُحكم الارتباط بالله ، ويقوم بشروط العبوديّة لله بحسب تعبير الإمام أمير المؤمنين . إنّ شروط العبوديّة لله هي في الحقيقة قوانين الحرّية الواقعيّة للناس ، وإذا لم تذعن الإنسانيّة إلى هذه الشروط ، فستغدو حرّيتها واستقلالها الخارجي حالة مؤقّتة ؛ وهي عائدة إلى العبوديّة حتماً .