محمد الريشهري

15

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

غائباً بالسُّنْح ، وهو منزل بعيد عن المدينة - فلمّا اجتمع بأبي بكر قوي به جأشه ، واشتدّ به أزره ، وعظم طاعة الناس له وميلهم إليه ، فسكت حينئذ عن تلك الدعوى التي كان ادّعاها " ( 1 ) . نظراً إلى القرائن التاريخيّة ، ومواقف هذين الرجلين ، وسكوت عمر المطلق بعد وصول أبي بكر وكان قد أثار ما أثار من الضجيج واللغط ، كلّ أولئك لا يَدَع مجالاً للشّك في أنّ موقف عمر كان تحرّكاً سياسيّاً للتمهيد من أجل الشيء الذي امتنع بسببه من الذهاب مع جيش أُسامة ، مخالفاً لنصّ نبوي صريح وأمر رسالي أكيد . وكان النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) نفسه يتحدّث عن نهاية حياته ، وأبلغ الجميع بذلك . وكان عمر قبل هذا الوقت وحين منع من كتابة الوصيّة يردّد شعار " حسبنا كتاب الله " ، أي : إنّ كلمة " حسبنا . . . " تتحقّق بعد وفاة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ويمكن القول مبدئيّاً إنّ نصّ القرآن الكريم على وفاته وعدم خلوده ( صلى الله عليه وآله ) يدلّ على أنّ نفي وفاته لم يكن عقيدةً راسخةً يتبنّاها المؤمنون قطّ ، وأوضح من ذلك كلّه كلام عمر نفسه عندما نصب أبا بكر في الخلافة وأجلسه على عرشها ، فقد صرّح بخطأ مقاله ووهنه قائلاً : " أمّا بعد ، فإنّي قلتُ لكم أمس مقالةً لم تكن كما قلت . وإنّي والله ما وجدتها في كتاب أنزله الله ولا في عهد عهده إليّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولكنّي كنتُ أرجو أن يعيش رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) - فقال كلمة يريد - حتى يكون آخرنا ، فاختار الله لرسوله الذي عنده على الذي عندكم ، وهذا الكتاب الذي هدى الله به رسولكم ، فخذوا به تهتدوا لما هدى له رسول الله " ( 2 ) . إنّ هذا كلّه يدلّ على أنّه كان يمهّد الأرضيّة للقبض على السلطة ، ويهيّئ

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة : 2 / 42 . ( 2 ) الطبقات الكبرى : 2 / 271 .