محمد الريشهري

59

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

أحاديث الغدير ( 15 ) ذكرنا أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أكّد منذ الأيّام الأُولى التي صدع فيها بالرسالة ، على الإمامة ومستقبل الأُمّة من بعده ، وشهدت له المواطن جميعاً ، وهو يعلن " الحقّ " ، ويحدّد أمام الجميع الإمامة من بعده بأعلى خصائصها ، وبمزاياها المتفوّقة ، ولم يتوانَ عن ذلك لحظة ، ولم يُضِع فرصة إلاّ وأفاد منها في إعلان هذا " الحقّ " والإجهار به . وفي الحجّة الأخيرة التي اشتهرت ب‍ " حجّة الوداع " ، بلغت الجهود النبويّة ذروتها ، وقد جاءه أمر السماء بإبلاغ الولاية ، لتكتسب هذه الحجّة عنوانها الدالّ ، وهي تسمّى " حجّة البلاغ " ( 1 ) . لنشاهد المشهد عن كثب ونتأمّل كيف تكوّنت وقائعه الأُولى . فهذا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد قصد التوجّه للحجّ في السنة العاشرة من الهجرة ، وقد نادى منادي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يُعلم الناس بذلك ، فاجتمع من المسلمين جمع غفير قاصداً مكّة ليلتحق بالنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، ويتعلّم منه مناسك حجّه . حجّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالمسلمين ، ثمّ قفل عائداً صوب المدينة . عندما حلَّ اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة كانت قوافل الحجيج تأخذ طريقها إلى مضاربها ومواضع سكناها ؛ فمنها ما كان يتقدّم على النبيّ ، ومنها ما كان يتأخّر عنه ، بيد أنّها لم تفترق بعدُ ، إذ ما يزال يجمعها طريق واحد . حلّت قافلة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) بموضع يقال له " غدير خمّ " في وادي الجحفة ، وهو مفترق تتشعّب فيه طرق أهل المدينة

--> ( 1 ) راجع : كتاب " الغدير " : 1 / 9 .