محمد الريشهري

406

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

بينما في آخر لحظات عمر الرسول ( صلى الله عليه وآله ) فإنّ الوصيّة كانت تلقى أجواءً أفضل للقبول ، ومن الطبيعي أنّ القائد الذي شارف على الرحيل من هذه الدنيا بعد سنوات من الجهد في سبيل توطيد ركائز الدين ، لابدّ أنّ يضع خطّة للمستقبل يضمن فيها بقاء الدين ومصلحة الأُمّة ، ولو أنّ الوجوه البارزة ما كانت لتثير الاختلاف واللغط وتعكّر صفو الماء لكان الاحتمال قويّاً بأن لا يجد الذين أسلموا حديثاً فرصة للمناورة . وعلى هذا المنوال عزم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) على أصل الوصيّة وكتابتها من جهة ، وسعى من جهة أُخرى من خلال أمره بتجهيز سريّة أُسامة لإبعاد أصحاب الادّعاءات ومثيري الضجيج عن الساحة في سبيل توفير الأجواء لطرح المسألة نهائيّاً . ولا شكّ أنّ سريّة أُسامة لو كانت سارت على وجهتها ، وأُبعد مثيرو الشغب عن الساحة لكانت الوصيّة قد كُتبت ، والخلافة الحقّة قد استُتبّت ، ولقُضي على كل ما يُعكّر صفو الأجواء ، قبل عودتهم ( 1 ) . ولكن لماذا لم يُصرّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) على ما طلب ، ولم يستثمر الفرصة المتبقّية لكتابة الوصيّة ؟ يكفي النظر إلى ما قيل حول المسألة للعثور على الجواب ، وسبب ذلك يعود - كما صرّح به مفكّر بارع ( 2 ) - إلى أنّهم جرّدوه من العصمة من الضلال بقولهم : " هجر " ! ! ولهذا قال لهم فيما رواه ابن عبّاس بعد أن هدأت الضجّة وقالوا له : ألا نأتيك بما طلبتَ ؟ قال :

--> ( 1 ) انظر في هذا المجال قول عمر " فكرهنا ذلك أشدّ الكراهة " مجمع الزوائد : 8 / 609 / 14257 . ( 2 ) سعيد أيّوب في معالم الفتن : 1 / 263 .