محمد الريشهري

289

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

ولست أقبل هذه الأربعة إلاّ بها " ( 1 ) . والسؤال الآن : هل تتعارض هاتان المجموعتان من النصوص بحيث لا يمكن علاجها ممّا يتحتّم طرح إحداهما ، أم أنّ الجمع بينهما ممكن ؟ مقتضى التأمّل في هاتين المجموعتين من النصوص ودراستهما بدقّة لاتُفضي إلى عدم وجود تعارض أساسي بين الاثنين وحسب ، بل العكس تُفيد أنّهما يؤيّد بعضهما بعضاً من حيث الأصل ، وأنّ إحداهما مكمّلة للأُخرى . وبيان ذلك - كما ذهب إليه العلاّمة الطباطبائي - هو : " أنّ التدبّر في الآيتين الكريمتين : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ . . . ) على ما سيجيء مِن بيان معناه ، وقوله ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ . . . ) والأحاديث الواردة مِن طرق الفريقين فيهما ، وروايات الغدير المتواترة ، وكذا دراسة أوضاع المجتمع الإسلامي الداخليّة في أواخر عهد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، والبحث العميق فيها ، يفيد القطع بأنّ أمر الولاية كان نازلاً قبل يوم الغدير بأيّام . وكان النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) يتّقي الناس في إظهاره ، ويخاف أن لا يتلقّوه بالقبول أو يُسيؤوا القصد إليه ؛ فيختلّ أمر الدعوة ، فكان لا يزال يؤخّر تبليغه الناس من يوم إلى غد حتى نزل قوله : ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ . . . ) فلم يُمهل في ذلك " ( 2 ) . في الحقيقة أنّ هناك تسعة أيّام فصلت بين صدور الحكم الإلهي بنصب الإمام عليّ ( عليه السلام ) قائداً للأُمّة بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وبين إبلاغ الحكم ، فحكم ولاية الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) صدر في يوم عرفة بعرفات ، بيد أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أخّر إبلاغه إلى يوم

--> ( 1 ) تفسير العيّاشي : 1 / 293 / 21 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن : 5 / 196 .