محمد الريشهري
277
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
إنّ هذه الكلمة العجيبة المدهشة لتومئ من جهة إلى ما يحظى به هذا البلاغ من شأْو عظيم ، كما تؤشّر من جهة أُخرى إلى حقيقة تُفيد أنّه ليس ثمّة خيار أمام رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلاّ تبليغ هذه الرسالة ، حيث أنذره ربّه - إن هو لم يبلّغ - بتلاشي جميع الجهود ، وضياع كلّ تلك الآلام والمشاقّ التي طوتها الأعوام الثلاث والعشرون من عمر الرسالة ، واضمحلال ما أنفق فيها من جهد وجهاد . * ( وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) . في عين الله حراستك ، وأنت في حفظه وحماه . كأنّك - يا رسول الله - تتوجّس خيفة من الأمر ، وتخشى ردود فعل تلك النفوس المظلمة ، وتتهيّب هياجها وما تُثيره من شحناء . لكن اعلم أنّ الله على كلّ شيء قدير . سيزول مكرهم جميعاً ، ويغدو كهشيم تذروه الرياح ، ويتلاشى كيد الناس ، جميع ( النَّاسِ ) ! إنّ الله سبحانه ليؤكّد في هذا الجزء مجدّداً على عظمة البلاغ ، كما يُشير أُخرى إلى ذوي الريبة والنفوس المدلهمّة . لكن مَن هم هؤلاء ؟ لم يُفصح النصّ عن شيء ، بل مضى يوعِد بزوال جميع ضروب المكر ، وسقوط كلّ أحابيل الشيطان ، وتلاشي المكائد جميعاً ، من أيّ إنسان كان ! إنّ كلّ كلمة في الآية لتُسفِر عن عظمة هذا البلاغ وسموّه ، وهي تُومئ أيضاً إلى مخاوف وهواجس ، وإلى نفوس أُناس موبوءة بالإحن والشحناء ، مملوءة بالضغينة والغضب ! فيا ليت أُولئك المفسّرين والباحثين القرآنيّين الذين جنحوا إلى أقوال أُخَر يبصرون بتأمّل : أيّ شيء من ( مَا أُنزِلَ ) يثير إبلاغه كلّ هذه الخشية