محمد الريشهري

167

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

وكانت دور مكّة يومئذ سوائب لا أبواب لها ، فلمّا بصر بهم عليّ ( عليه السلام ) قد انتضوا السيوف وأقبلوا عليه بها ، وكان يقدمهم خالد بن الوليد بن المغيرة ، وثب له عليّ ( عليه السلام ) فختله وهَمَز يده ( 1 ) ، فجعل خالد يقمِص ( 2 ) قِماص البَكْر ( 3 ) ، ويرغو رغاء الجمل ، ويذعر ويصيح ، وهم في عرج الدار من خلفه ، وشدّ عليهم عليّ ( عليه السلام ) بسيفه - يعني سيف خالد - فأجفلوا ( 4 ) أمامه إجفال النَّعم إلى ظاهر الدار ، فتبصّروه فإذا هو عليّ ( عليه السلام ) ، فقالوا : إنّك لعليّ ؟ قال : أنا عليّ ، قالوا : فإنّا لم نردك ، فما فعل صاحبك ؟ قال : لا علم لي به وقد كان علم - يعني عليّاً ( عليه السلام ) - أنّ الله تعالى قد أنجى نبيّه ( صلى الله عليه وآله ) بما كان أخبره من مُضيّه إلى الغار واختبائه فيه ، فأذكت قريش عليه العيون ، وركبت في طلبه الصعب والذلول ، وأمهل عليّ صلوات الله عليه حتى إذا أعْتَم ( 5 ) من الليلة القابلة انطلق هو وهند بن أبي هالة حتى دخلا على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في الغار ، فأمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هنداً أن يبتاع له ولصاحبه بعيرين ، فقال أبو بكر : قد كنت أعددت لي ولك يا نبيّ الله راحلتين نرتحلهما إلى يثرب . فقال : إنّي لا آخذهما ولا أحدهما إلاّ بالثمن . قال : فهي لك بذلك ، فأمر ( صلى الله عليه وآله ) عليّاً ( عليه السلام ) فأقبضه الثمن ، ثمّ أوصاه بحفظ ذمّته وأداء أمانته . وكانت قريش تدعو محمّداً ( صلى الله عليه وآله ) في الجاهليّة الأمين ، وكانت تستودعه وتستحفظه أموالها وأمتعتها ، وكذلك من يقدم مكّة من العرب في الموسم ، وجاءته النبوّة والرسالة والأمر كذلك ، فأمر عليّاً ( عليه السلام ) أن يقيم صارخاً يهتف

--> ( 1 ) خَتَلَهُ : أي داورَه وطلبه من حيث لا يشعر ( النهاية : 2 / 10 ) ، والهَمْز : العصر ( لسان العرب : 5 / 426 ) . ( 2 ) القِماص : هو أن لا يستقرّ في موضع ، تراه يقمِص فيَثب من مكانه من غير صبر ( لسان العرب : 7 / 82 ) . ( 3 ) البَكْر : الفَتيُّ من الإبل ، بمنزلة الغلام من الناس ( النهاية : 1 / 149 ) . ( 4 ) جَفَلَ : إذا أسرع وذهب في الأرض ( مجمع البحرين : 1 / 300 ) . ( 5 ) أعْتَمَ الرجل : صار في العَتَمة ؛ وهي ثلث الليل الأوّل بعد غيبوبة الشَّفَق ( لسان العرب : 12 / 381 ) .