الشهيد الثاني
13
المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية
ولو سلَّم ذلك لم يتمّ الوجوب لأنّ الواجب هو التعليم لا التصنيف ( 1 ) . ويمكن الجواب عن الأوّل : بأنّ الجزالة المطلوبة من الخطابة قد تأدّت بجعله ملتمسا ، وجعل إجابته طاعة ، ولا يجب البلوغ إلى الغاية في ذلك ، بل على تقدير تفويت الجزالة رأسا لا يوجب الخلل ، فكيف مع وجودها . والعدول عن باب الخطابة إلى مقام الترغيب والترهيب في تعليم المتعلَّم وتنبيه الغافل ، ووجوب إرشاد العالم الجاهل - كما قد أرشدت إليه الأدلة من الكتاب والسنة ( 2 ) - أمر مطلوب . وعن الثاني : بأنّ حذف مثل ذلك مع دلالة السّياق والسّباق عليه من قوله : ( فهذه رسالة في فرض الصلاة ) ، وكونها قد صنّفت إجابة لالتماس الطالب ، وغير ذلك جائز ، بل مقتضى الوجازة حذف ما دلّ عليه المقام واستفيد المحذوف من باقي الكلام ، وقد جاء في القرآن وفصيح كلام العرب من أنواع الحذف التي لا يدل على بعضها دليل من اللفظ ما أفرد له أبواب ، ومن أراد معرفته مستقصاة فليطالع المغني ( 3 ) . وعن الثالث : بأنّه إن أراد بالتعليم إلقاء اللفظ الدال على المعنى إلى المتعلَّم ، فانحصار الوجوب فيه ممنوع ، بل هو أحد أفراد الواجب ، فإنّ الواجب عند المفتي ( 4 ) إيصال المعنى إلى ذهن السامع بحيث يستفيد منه مطلوبه ، وهو أمر كلَّي يحصل في ضمن التصنيف والتعليم باللفظ وغيرهما ، فيكون كلّ واحد من التعليم والتصنيف واجبا على التخيير ، ويبقى فرد التصنيف أفضل الواجبين وأكملهما لعموم النفع به واستمراره على مرور الأزمان ، فلا جرم صدق وصف التصنيف بالوجوب لأنّه أحد أفراد الواجب المخيّر إن لم يكن أكملها . وإن أراد بالتعليم الواجب هو هذا المعنى الكلَّي ، فنفي الوجوب عن التصنيف ممنوع لأنّه أحد أفراده .
--> ( 1 ) : شرح الألفيّة ( رسائل المحقّق الكركي ) 3 : 166 - 167 . ( 2 ) البقرة : 159 ، آل عمران : 187 ، الكافي 1 : 41 / 1 ، مجمع البيان 1 : 447 و 2 : 467 . ( 3 ) مغني اللبيب 2 : 605 - 607 : ( 4 ) في « ع » : على المعلَّم ( خ ل ) .