الشهيد الثاني
43
المقاصد العلية في شرح الرسالة الألفية
وعلى معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم . وأفضل العلوم العلم باللَّه تعالى ، وأجلّ الأشياء هو اللَّه تعالى ، واللَّه سبحانه لا يعرفه كنه معرفته غيره ، وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم ، فهو الحكيم حقّا لعلمه بأجلّ الأشياء بأجلّ علم . والمراد بالحكمة في هذا المقام المعنى الثاني وإن دخلت في العدل ، ومن ثمّ سمّي الباب الباحث عن ذلك في الكلام بباب العدل ، وهي بالمعني الأوّل داخلة في العلم ، وبالمعنى الأخير علم خاص قوي . ويترتّب على وجوب اعتقاد كونه تعالى عدلا أنّه لا يفعل القبيح ولا يرضى به ، فما يصدر منّا من القبائح مستند ( 1 ) إلى قدرتنا واختيارنا وإن كانت القدرة من فعل اللَّه تعالى ، فإنّ فاعل الآلة ليس فاعلا لما يصدر بواسطتها من القتل والضرب ، واللَّه منزّه عن ذلك . ويتفرّع على عدم إخلاله بالواجب أو عليهما معا تكليف المكلَّفين ، وأثابه المطيعين ، وإرسال المرسلين ، وإنزال الكتب مبشرّين ومنذرين . الثامن : لا ريب في اعتبار تقديم التصديق بنبوّة النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله أمام الصلاة ، بل هو شرط الإسلام ، ولكن القدر الواجب منه هل هو مجرّد اعتقاد نبوّته صلَّى اللَّه عليه وآله ، كما هو ظاهر العبارة ، أم لا بدّ مع ذلك من اعتقاد عصمته وطهارته وختمه للأنبياء ، ونحو ذلك ممّا يتفرّع على النبوة من الأحكام ويلزمها من الشرائط ؟ ليس ببعيد الاكتفاء بالأوّل . أما في الإسلام فظاهر لقوله صلَّى اللَّه عليه وآله : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلَّا اللَّه وإنّي رسول الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلَّا بحقها » ( 2 ) ، ولأنّ النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله كان يكتفي من الأعراب وطالب الإسلام بذلك . وأما في الصلاة فلما ذكر ، وقد كانوا يصلَّون بعد ذلك ولم يأمرهم بإعادتها ،
--> ( 1 ) في « د » : مستنده . ( 2 ) سنن ابن ماجة 2 : 1295 / 3927 ، سنن البيهقي 4 : 114 ، مسند أحمد 1 : 11 ، كنز العمال 1 : 88 / 375 .