الشيخ أسد الله الكاظمي

33

مقابس الأنوار ونفايس الأسرار في أحكام النبي المختار وآله الأطهار

الَّذي جعل الماء طهورا ولم يجعله نجسا فربّما يتوهم من تعقيب الوصف بالطَّهور بنفي النّجاسة انّ المراد منه الطَّاهر أو البليغ في الطهارة ومن نسبته إلى اللَّه سبحانه انّ ذلك هو المراد منه أيضا في الآية لكن الاخبار الأخر الَّتي منها انّ اللَّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا تكشف عن كون المراد منه في الجميع ما ذكرنا ولا ينافيه التعقيب بما ذكر بل الحكم في النّبوي بعدم تنجس الملاقى الغير المغيّر له مط وان امتزج به وورود الدّعاء عند التّطهير به يؤيد ما قلنا سواء بنينا على أن معنى الطَّهور بحسب الوضع هو الطَّاهر المطهّر أو انه المطهر خاصّة وان دلالته على الطَّهارة على سبيل التبعيّة وعلى هذا فمعنى النبوي خلق اللَّه الماء مطهرا لغيره على وجه لا ينجسه غيره أو فلا ينجسه غيره الَّا إذا غيره ومعنى الدّعاء الحمد للَّه الذي جعل الماء مطهّرا وطاهر أي طاهرا في الأصل غير منجس لغيره أو غير متنجّس بغيره وهذا أولى من أن يراد بالطَّهور فيهما الطاهر وقد صرح الشيخ في الخلاف بان الطَّهور في النبوي بمعنى المطهّر ثم حكى اجماع الفرقة على انّ الطَّهور هو المطهّر وهو يعاضد ما ذكر ثانيها انّه قد تقدم عن الخلاف والتبيان وفقه القران ومجمع البيان والنهاية الأثيريّة وغيرها تفسير الطهور بالمطهّر من الحدث والخبث وعن السّرائر وغيره تفسيره بالمطهّر من الحدث وكان هذا من باب التنبيه بالأقوى على الأضعف والمقصود التطهير منهما معا وهو اصطلاح من المتشرعة في الماء الطهور حيث يطلق وضعوه لتمييز الاقسام بعضها عن بعض وكأنّهم أخذوه من وصف الماء بالطَّهور في الآية وغيرها حال اتّصافه بالوصفين معا ولا باس به وليس ذلك معتبرا في معناه في الأصل ومن ثمّ أطلق في الاخبار على مطلق المطهّر كما هو مقتضى وضعه فقد ورد انّ اللَّه جعل التراب طهورا وانه أحد الطهورين وان النّورة طهور وانّ التّوبة طهور للمذنب وغير ذلك والمعروف انّ الطَّهارة موضوعة شرعا أو اصطلاحا للطَّهارة من الحدث خاصّة فينبغي ان يفسر الطَّهور بما في السّرائر ان لم يختص الوضع المذكور بلفظ الطهارة والمعروف في اطلاق التطهّر والأطهار هو أيضا ذلك أو تطهير البدن مط فهو الأنسب أيضا بالمعنى المصدري والأسمّى للَّفظ وكذا الوصفي المأخوذ منها والمذكور في المحيط انّ الطَّهور اسم الماء ونحوه في شمس العلوم وضياء الحلوم والنهاية والمجمل وقد استعمل فيه خاصّة في الاخبار أيضا والتطهير من الخبث مط من خواصه وهو الأنسب بمعنى الطَّهارة ونحوها في اللَّغة فينبغي ان يفسّر الطَّهور بالمطهّر من الخبث أو بالمطهّر من الأمرين معا التحقيق انّ تخصيص الطَّهارة ومشتقاتها بالطهارة الحديثة مجرّد اصطلاح من المتشرعة وامّا في الشرع فتعمّ كلا القسمين وقد استعملت في القران في كل منهما ولما وصف الماء في الآية بالطَّهور وكانت الحاجة داعية إلى معرفة ما يستعمل فيهما وكانا مذكورين معا في القران وكانت الآية وردت في مقام الامتنان وكانت المبالغة في طهوريّة ماء من الأمرين أكمل ناسب ان يعمّ لهما كما هو المعروف عند المتشرعة في اطلاقه هنا والموافق للحكم واقعا ويعضده الخبر الآتي عن ارشاد الدّيلمي وغيره من الأخبار المتقدمة والآتية بعد الجمع بينها ثالثها انّ اللَّه تعالى وصف الماء بالطَّهور واخبر بانزاله من السّماء ولم يجعله قيدا لثبوت الوصف له فجاز أن يكون المراد ثبوته للماء من حيث انّه ماء كما يطهر من المقنعة التّهذيب وفقه القران وغيرها وحيث دلَّت ساير الآيات المتقدّمة والاخبار على ذلك صحّ حمل الآية المذكورة عليه أيضا فيلزم ح ثبوت الحكم لافراد الماهيّة مط ويعضد ذلك انّ الظَّاهر قصد الدّوام والامتنان بذلك على جميع الأنام والنكرة تفيد العموم في مثل هذا المقام كي لا يفوت الغرض بالابهام والظاهر أيضا كون صفة الطهور كساير الفوائد المترتبة على انزال الماء مما ذكرت في عجز الآية المذكورة وساير الآيات وهى غير مختصّة غالبا ببعض مياه السّماء مع انّه قد نكر في جملة من تلك الآي لفظ الماء والظاهر أيضا كون الغرض ان ينتفع به كما ينتفع بغيره لدوام التّكليف بالطَّهارة مع انقطاع نزوله فالامتنان به بخصوصه امّا لساير المنافع المنضمّة مع طهوريّته أو لنهاية طهوراته ليس للعبد فيه صنع وعمل ووجوده كثيرا عند شدة الحاجة وانقطاع العمل فيلزم بمقتضى ما ذكر ثبوت الحكم لكلّ ما نزل قبل نزول الآية أو بعده ولساير المياه المطلقة ويمكن اثبات العموم في الأخير بوجه آخر وهو ان من المعلوم ثبوت الحكم في ماء السماء بعد انقطاع المطر والَّا قلّ النفع وندر والَّذي يظهر من كثير من الآيات والرّوايات ونصّ عليه الصّدوق في الفقيه وغيره ان أصل الماء كله من السّماء حتّى انه روى انّ سبب التسمية بالسّماء كونها وسم الماء أي معدنه وانّها ما أبرقت قط الا وتمطر وما أتى عليها يوم والا تمطر فيلزم عموم الحكم لكل ماء ويتبين أيضا وجه آخر لتخصيص الامتنان بماء السّماء بقي هنا شئ وهو ان الآيات والرّوايات المشار إليها لا تقتضى ظاهرا أكثر من كون ساير المياه النّابعة المعتادة في الانتفاع من السّماء ويكفى هذا في اكثار اللَّه تعالى من الامتنان بمائها وعلى هذا لا يتناول ماء البحر فلا يلزم ما ذكر شمول الحكم له وربّما يظهر من بعض الأخبار ان الأمطار القليلة النّفع منه والكثيرة النّفع من تحت العرش وهذا يقتضى عدم كونه من السّماء بل عدم كون بعض الأمطار منها أيضا الَّا انّه لما علم ثبوت الحكم بكل ما نزل من طرف السّماء وان لم يكن من تحت العرش وعدم الفرق بين قليل النّفع ومنه كثيره ولا بين ما أخذ السّحاب من البحر وما بقي فيه وان تفاوتا غالبا في بعض الصّفات لزم من ذلك عموم الحكم أيضا لجميع المياه مع انّه ربّما قيل إنه لا مانع من انزال ماء البحر أيضا من عند العرش إلى الأرض فيكون الانزال في الآية أعمّ من الأمطار وغيره والوصف بالطَّهور شامل لما بعد زمان نزوله وامّا ما ذكره الطَّبيعيّون من أن مواد المياه هي الأبخرة المحتبسة وان حصل لها الغزارة والنزارة بكثرة مياه الأمطار والثلوج وقلَّتها وان أصل جميع مياه السّماء هي الأبخرة الرطبة المتصاعدة من أعماق الأرض بمخالفة الهواء المتصاعد بسبب استيلاء الحرارة عليه فلا عبرة به إذا لم يقيموا عليه دليلا قاطعا