المسعودي
87
مروج الذهب ومعادن الجوهر
تطيب لنا به المعاشرة ، وتلذ بمنادمته المؤانسة ، فمن ترى أن يكون ؟ وأعْفِنا أن يكون شرير الأخلاق ، أو دنس الأعراق ، أو ظاهر الإملاق ، قال : فأعملت الفكر ، وقلت : أيها الأمير ، خطر ببالي رجل ليس علينا من مجالسته من مؤونة ، وقد برئ من إبرام المُجالس ، وخلا من ثقل المؤانس ( 1 ) خفيف الوطأة إذا أحببت ، سريع الوثبة إذا أردت ( 2 ) ، قال : ومن ذلك ؟ قلت : ماني الموسوس ، قال : أحسنت والله ، فليتقدم إلى أصحاب الثمانية والعشرين الربع في طلبه يرفعوه رفعة ، فما كان بأسرع من أن اقتنصه صاحب الكرخ ، فصار به إلى باب الأمير ، فأخذ وحذف ونظف وأدخل الحمام وألبس ثياباً نظافاً وأدخل عليه ، فقال : السلام عليك أيها الأمير ، فقال محمد : وعليك السلام يا ماني ، أما آن لك ان تزورنا على حين توقان منا إليك ومنازعة قلوب منا نحوك ؟ فقال ماني : الشوق شديد ، والحب عتيد ، والمزار بعيد ، والحجاب صعب ، والبواب فظ ، ولو سهل لنا في الاذن لسهلت علينا الزيارة ، فقال : ألطفتَ في الاستئذان فليلطف لك في الاذن ، لا يمنع ماني أي وقت ورد من ليل أو نهار ، ثم أذن له في الجلوس ، فجلس ، ودعا بالطعام فأكل ، ثم غسل يديه وأخذ مجلسه وكان محمد قد تشوَّق إلى السماع من مؤنسة جارية بنت المهدي ، فأحضرت ، فكان أول ما غنت به : ولست بناس إذ غدوا فتحملوا دموعي على الأحباب من شدة الوجد وقولي وقد زالت بليل حمولهم بواكر نجد لا يكن آخر العهد فقال ماني : أحسنت ، وبحق الأمير إلا ما زدت فيه : وقمت أناجي الفكر والدمع حائر بمقلة موقوف على الضر والجهد ولم يعدني هذا الأمير بغيرة على ظالم قد لج في الهجر والصد فاندفعت تغنيه ، فقال له محمد : أعاشق أنت يا ماني ؟ فاستحيا ، وغمزه
--> ( 1 ) في نسخة : المجالسين المؤانسين . ( 2 ) في نسخة : إذا أمرت .