المسعودي

39

مروج الذهب ومعادن الجوهر

على المنتصر ، فكان المنتصر لا يبعد المتوكل أحداً من الأتراك إلا اجتذبه ، فاستمال قلوب الأتراك وكثير من الفراغنة والأشروسية ، إلى أن كان من الأمر ما ذكرناه وقد ذكر في كيفية قتل المتوكل غير ما ذكرنا ، وهذا ما اخترناه في هذا الموضع ، إذ كان أحسن ألفاظاً وأقرب مأخذاً ، وقد أتينا على جميع ما قيل في ذلك في الكتاب الأوسط ، فأغنى ذلك عن تكراره في هذا الكتاب . ولم يكن المتوكل يوماً أشد سروراً منه في اليوم الذي قتل فيه ، فلقد أصبح في هذا اليوم نشيطاً فرحاً مسروراً ، وقال : كأني أجد حركة الدم ، فاحتجم في ذلك اليوم ، وأحضر الندماء والملهين ، فاشتد سروره ، وكثر فرحه ، فانقلب ذلك الفرح ترحا والسرور حزناً . فمن ذا الذي يغتر بالدنيا ، ويسكن إليها ، ويأمن الغدر والنكبات فيها إلا جاهل مغرور ، فهي دار لا يدوم نعيمها ، ولا يتم فيها سرور ، ولا يؤمن فيها محذور ، قد قرنت منها السراء بالضراء ، والشدة بالرخاء ، والنعيم بالبلوى ، ثم يتبعها الزوال ، فمع نعيمها البؤس ، ومع سرورها الحزن ، ومع محبوبها المكروه ، ومع صحتها السقم ، ومع حياتها الموت ، ومع فرحاتها الترحات ، ومع لذاتها الآفات ، عزيزها ذليل ، وقويها مهين ، وغنيها محروب ، وعظيمها مسلوب ، ولا يبقى إلا الحي الذي لا يموت ولا يزول ملكه وهو العزيز الحكيم ، وفي ذلك يقول البحتري في غَدْرِ المنتصر بأبيه ، وفتكه به ، من قصيدة له : أكان ولي العهد أضمر غدْرَةً فمن عَجَب أن وُليَ العهد غادره فلا مُليَ الباقي تراث الذي مضى ولا حملت ذاك الدعاء منابره وصف أيام المتوكل : وكانت أيام المتوكل في حسنها ونضارتها ورفاهية العيش بها وحمد الخاص والعام لها ورضاهم عنها أيام سراء لا ضراء ، كما قال