المسعودي
34
مروج الذهب ومعادن الجوهر
بطل ما كتب به فالحمد لله ، وأقبلت الرقاع تطرح في كل وقت على جهة التنصح ، وأن في أعناق من كتبها بيعة لم يجد معها بداً من النصح والصدق ، فلما علموا بما علم به الخليفة وتمكن به ما عندهم من الأمر كتبوا رقاعاً فطرحوها في مضرب بُغا يقولون فيها : إن جماعة من الغلمان والأتراك قد عزموا على الفتك بالخليفة في عسكره ، ودبروا ذلك ، واتفقوا عليه ، وتعاقدوا على أن يأتوه من نواحي كذا ، ونواحي كذا ، فا لله الله إلا ما احترست لأمير المؤمنين ، وحرسته في هذه الليلة من هذه المواضع ، وحصنتها بنفسك ومن تثق به ، فإنا قد نصحنا وصدقنا ، وأكثروا طرح الرقاع بهذا المعنى والتوكيد في حراسة الخليفة ، فلما وقف بُغا عليها وتتابعت عليه لم يأمن أن يكون ما كتب إليه فيها حقاً ، مع ما كان وقع عليه من الأمر قبل ذلك ، فلما كانت الليلة التي ذكروها جمع جيوشه وأمرهم بالركوب بالسلاح وركب بهم إلى المواضع التي ذكرت ، فأخذها على المتوكل وحرسها ، واتصل الخبر بالمتوكل فلم يشك أن ما كتب له حق ، فأقبل يتوقع من يوافيه فيفتك به ، وسهر ليلته ، وامتنع من الأكل والشرب ، فلم يزل على تلك الحال إلى الغداة ، وبُغا يحرسه ، والأمر عند المتوكل على خلاف ذلك ، وقد اتهم بُغا ، واستوحش من فعله ، فلما عزم المتوكل على الانصراف قال له : يا بُغا ، قد أبتْ نفسي مكانك مني ، ورأيت أن أقلدك هذا الصقع وأقر عليك ما كان لك من رزق وحِباء ونُزُل ومعونة وكل سبب ، فقال : أنا عبدك يا أمير المؤمنين فافعل ما شئت ، وأمرني بما أحببت ، فخلَّفه بالشام وانصرف ، فأحدث الموالي عليه ما أحدثوا ، فلم يعلم المتوكل وجه الحيلة ، ولم يعلم كل واحد منهما الحيلة في ذلك إلى أن تمت الحيلة . تدبير المؤامرة ضد المتوكل : قال : ولما عزم بُغا الصغير على قتل المتوكل دعا بباغر التركي ، وكان قد اصطنعه واتخذه وملأ عينه من الصِّلات ، وكان مقداماً أهوج ، فقال له : يا باغر أنت تعلم محبتي لك ، وتقديمي إياك ،