المسعودي

28

مروج الذهب ومعادن الجوهر

حدثنا الرياشي ، قال : ذكر جماعة من أهل البصرة قالوا : خرجنا نريد الحج ، فلما كنا ببعض الطريق إذا غلامٌ واقف على المحجة وهو ينادي : يا أيها الناس ، هل فيكم أحد من أهل البصرة ؟ قال : فملنا اليه وقلنا له : ما تريد ؟ قال : إن مولاي لما به يريد أن يوصيكم ، فملنا معه ، فإذا بشخص ملقى على بعد من الطريق تحت شجرة لا يُحِيرُ جوابا ، فجلسنا حوله ، فأحس بنا ، فرفع طرفه ، وهو لا يكاد يرفعه ضعفاً ، وأنشأ يقول : يا غريب الدار عن وطنه مفرداً يبكي على شجنه كلما جَدَّ البكاء به دَبَّتِ الأسقام في بدنه ثم أغمي عليه طويلًا ، وإنا لجلوس حوله إذ أقبل طائر فوقع على أعلى الشجرة ، وجعل يغرد ، ففتح الفتى عينيه وجعل يسمع تغريد الطائر ، ثم قال : ولقد زاد الفؤاد شَجًى طائر يبكي على فَنَنِه شفَّه ما شفني فبكى كلنا يبكي على سكنه قال : ثم تنفس تنفساً فاضت نفسه منه فلم نبرح من عنده حتى غسلناه وكفناه وتولينا الصلاة عليه ، فلما فرغنا من دفنه سألنا الغلام عنه ، فقال : هذا العباس بن الأحنف . وقد أخبرنا بها الخبر أبو إسحاق الزجاجي النحوي ، عن أبي العباس المبرد ، عن المازني ، قال : حدثنا جماعة من أهل البصرة بما ذكرناه . وكانت وفاة أبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي سنة أربعين ومائتين . نفى المتوكل علي بن الجهم : وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائتين نفى المتوكل علي بن الجهم الشاعر إلى خراسان ، وقيل : في سنة تسع وثلاثين ومائتين ، وقد أتينا على خبره وما كان من أمره ورجوعه بعد ذلك إلى العراق ، وخروجه يريد السفر ،