المسعودي
22
مروج الذهب ومعادن الجوهر
ولا غيري علتك في أنها لا تماس ولا تباين ، فانقطع أبو الهذيل ولم يرد جواباً . وفاة جماعة من المعتزلة : وكانت وفاة أبي موسى الفراء سنة ست وعشرين ومائتين ، وكان من شيوخ العدلية وكبار المتكلمين من البغداديين ، ومات واصل بن عطاء - ويكنى بأبي حذيفة - في سنة إحدى وثلاثين ومائة ، وهو شيخ المعتزلة وقديمها ، وأول من أظهر القول بالمنزلة بين المنزلتين ، وهو أن الفاسق من أهل الملة ليس بمؤمن ولا كافر ، وبه سميت المعتزلة ، وهو الاعتزال ، وقد قدمنا فيما سلف من هذا الكتاب في أخبار بني أمية قول المعتزلة في الأصول الخمسة ، فأغنى ذلك عن إعادته ، وكذلك فيما سلف من كتبنا على الشرح والإيضاح ، وقد بينا فيما سلف من هذا الكتاب خبر عمرو ابن عُبَيْد ووفاته ، وكان شيخ المعتزلة والمقدم فيها ، وأن وفاته كانت سنة أربع وأربعين ومائة ، وقد كان عمرو بن عبيد اجتمع مع هشام بن الحكم ، وهشام يذهب إلى القول بأن الإمامة نصٌّ من الله ورسوله على عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ، وعلى من يلي عصره من ولده الطاهرين كالحسن والحسين ، ومن يلي أيامهم ، وعمرو يذهب إلى أن الإمامة اختيار من الأمة في سائر الأعصار ، فقال هشام لعمرو بن عبيد : لم خلق الله لك عينين ؟ قال لأنظر بهما إلى ما خلق الله من السماوات والأرض وغير ذلك فيكون ذلك دليلًا لي عليه ، فقال هشام : فلم خلق الله لك سمعاً ؟ قال : لأسمع به التحليل والتحريم والأمر والنهي ، فقال له هشام : لمَ خلق الله لك لساناً ؟ فقال عمرو : لأعبر به عما في قلبي واخاطب به من افترض عليَّ أمره ونهيه ، قال هشام : فلم خلق الله لك قلباً ؟ قال عمرو : لتكون هذه الحواسُّ مؤدية إليه فيكون مميزاً بين منافعها ومضارها ، قال هشام : فكان يجوز أن يخلق الله سائر حواسك ولا يخلق لك قلباً تؤدي هذه الحواسُّ اليه ؟ قال عمرو : لا ، فقال هشام : ولمَ ؟ قال : لأن القلب باعث لهذه الحواس على ما يصلح