المسعودي
15
مروج الذهب ومعادن الجوهر
سوءاً لكم ، حُمَّى سنةٍ أهْوَنُ عليَّ من ذلك ، ودخل ، فما هو إلا أن سلم وجلس وتكلم حتى أسْفَرَ وجه المعتصم وضحكت إليه جوارحه ، ثم قال له : يا أبا عبد الله قد طبخ كل واحد من هؤلاء قدراً ، وقد جعلناك حكماً في طبخها ، قال : فلتحضر ثم آكل ثم أحكم بحكم بعلم ، فحملت إليه القدور ووضعت بين يديه ، فجعل يأكل من أول قِدر أكلًا تاماً ، فقال له المعتصم : هذا ظلم ، قال : وكيف ذلك ؟ قال : لأني أراك قد أمعنت في هذا اللون ، وستحكم لصاحبه ، قال : يا أمير المؤمنين علي أن آكل من هذه القدور كلها كما أكلت من هذا القدر ، فتبسم له المعتصم وقال له : شأنك إذ ، فأكل كما قال ، ثم قال : أما هذه فقد أحسن طابخها إذ أكثر فلفلها وأقل كمونها ، وأما هذه فقد أجاد طابخها إذ أكثر خَلَّها وأقل زَيْتَها ، وأما هذه فقد طيبها طابخها باعتدال توابلها ، وأما هذه فقد حذق من عملها بقلة مائها وكثرة مريها ، حتى وصف القدور كلها بصفات سر أهلها بها ، ثم أكل مع القوم كما أكلوا أنظَفَ أكلٍ وأحسنه ، مرة يحدثهم بأخبار الأكَلَةِ في صدر الاسلام : معاوية بن أبي سفيان ، وعبيد الله بن زياد ، والحجاج بن يوسف ، وسليمان بن عبد الملك ، ومرة يحدثهم عن أكَلَة دهره مثل ميسرة التَّمَّار ( 1 ) ، ودورق القصاب ، وحاتم الكيال ، وإسحاق الحمامي ، فلما رفعت الموائد قال له المعتصم : ألك حاجة يا أبا عبد الله ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : اذكرها فإن أصحابنا يريدون أن يتشاغلوا ، قال : نعم يا أمير المؤمنين رجل من أهلك وطئه الدهر فغير حاله وخشن معيشته ( 2 ) ، قال : ومن هو ؟ قال : سليمان بن عبد الله النوفلي ، قال : قدر له ما يصلحه ، قال : خمسين ألف درهم ، قال : أنفذت ذلك له ، قال : وحاجة أخرى ، قال : وما هي ؟ قال : ضياع إبراهيم بن المعتمر تردُّها له ، قال : قد فعلت ، قال : وحاجة أخرى ، قال : قد فعلت ، قال : فوالله ما خرج حتى سأل
--> ( 1 ) في نسخة : سردة الثمار . ( 2 ) في نسخة : فعز حاله وخس معيشته .