المسعودي

115

مروج الذهب ومعادن الجوهر

تلوكه بعد سماعه النداء ، واقبل على الدابة مخاطباً فقال بالفارسية : أمير المؤمنين دوابر أزتر بريدند ، وتفسير ذلك : اقطعوا الدواب عن الرطبة ، وانه رؤي في عسكره في ذلك الوقت رجل من قواده ذو مرتبة والدرع الحديد على بدنه لا ثوب بينه وبين بشرته ، فقيل له في ذلك ، فقال : نادى منادي الأمير : البسوا السلاح ، وكنت عرياناً اغتسل من جنابة ، فلم يسعني التشاغل بلبس الثياب عن السلاح ، وكان الرجل إذا أتاه راغباً في خدمته مؤثراً للانقطاع اليه تفرس فيه ، فإذا اعجبه منظره امتحن خبره واستبرأ ما عنده من رمي أو طعان أو غير ذلك من ثقافة ، فإذا رأى منه ما يعجبه سأله عن خبره وحاله ، ومن اين اقبل ، ومع من كان ، فإذا وافقه ما سمعه منه قال له : أصدقني عما معك من المال والمتاع والسلاح ، فيقف على جميع ما معه ، ثم يبعث أناسا قد رتبوا لذلك ، فيبيعون جميع ذلك ، ويجعلونه عيناً أو ورَقاً ويدفع إليه ، ويثبت في الديوان ، ثم تزيح علله في اللباس والسلاح والمأكل والمشرب والدواب والبغال والحمير من إصطبله ، حتى لا يفقد الرجل جميع ما يحتاج اليه من أمره على قدر مكانه ومرتبته ، فإن نقم عليه بعد ذلك مذهبه ، ولم يرض اختياره ، سلبه جميع ما أنعم به عليه ، حتى يخرج من عسكره نحو ما دخل إليه ، محتملًا بما معه من ذلك العين والوَرِق ، إلا أن يكون ذلك الرجل معتضداً ، فيصير له فضل من أرزاقه ، فلا يمنعه ما كان له من متقدم ماله ، وكانت جميع دوابه ملكاً له وإن أعلافها من قبله ، ولها ساسة ووكلاء يقومون بأمرها الا خصوص دوابهم التي تكون عندهم الا ان ملكها له ، واتخذ لنفسه عريشاً من خشب يشبه السرير ، حيثما توجه من مسيره فيكثر الجلوس عليه ، ويشرف منه على أهل معسكره ، وعلى قضيم دوابه ، ويرمق ( 1 ) الخلل من وكلائه ، فإذا رأى شيئاً يكرهه بادر بتغييره ، وقد كان انتخب من أصحابه الف رجل على اختيار لهم ، والغنى الظاهر منهم

--> ( 1 ) في نسخة : ويؤمن الحال .