المسعودي
59
مروج الذهب ومعادن الجوهر
كل امرئ يوماً ملاقٍ شرا أخاف أن اكذب أو اغرا فلما رأوا ذلك منه تقدم اليه محمد بن الأشعث فقال له : فإنك لا تكذب ولا تغر ، وأعطاه الأمان ، فأمكنهم من نفسه ، وحملوه على بغلة وأتوا به ابن زياد وقد سلبه ابن الأشعث حين أعطاه الأمان سيفه وسلاحه ، وفي ذلك يقول بعض الشعراء في كلمة يهجو فيها ابن الأشعث : وتركت عمك أن تقاتل دونه فشلًا ، ولولا أنت كان منيعاً وقتلت وافد آل بيت محمد وسلبت أسيافاً له ودروعا مقتل هانئ بن عروة : فلما صار مسلم إلى باب القصر نظر إلى قلة مبردة ، فاستسقاهم منها ، فمنعهم مسلم بن عمرو الباهلي - وهو أبو قتيبة بن مسلم - أن يسقوه ، فوجه عمرو بن حريث فأتاه بماء في قدح ، فلما رفعه إلى فيه امتلأ القدح دماً ، فصبه وملأه له الثانية ، فما رفعه إلى فيه سقطت ثناياه فيه وامتلأ دماً ، فقال : الحمد لله ، لو كان من الرزق المقسوم لشربته ، ثم أُدخل إلى ابن زياد ، فلما انقضى كلامه ومسلم يغلظ له في الجواب امر به فاصعد إلى أعلى القصر ، ثم دعا الأحمري الذي ضربه مسلم فقال : كن أنت الذي تضرب عنقه لتأخذ بثأرك من ضربته ، فأصعدوه إلى أعلى القصر ، فضرب بكير الأحمري عنقه ، فأهوى رأسه إلى الأرض ، ثم أتبعوا رأسه جسده ، ثم امر بهانيء ابن عروة فأخرج إلى السوق فضرب عنقه صبراً ، وهو يصيح : يا آل مراد ، وهو شيخها وزعيمها ، وهو يومئذ يركب في أربعة آلاف دارع وثمانية آلاف راجل ، وإذا إجابتها احلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين ألف دارع ، فلم يجد زعيمهم منهم أحداً فشلًا وخذلاناً ، فقال الشاعر وهو يرثي هانئ بن عروة ومسلم بن عقيل ويذكر ما نالهما :