المسعودي
57
مروج الذهب ومعادن الجوهر
يزيد يستعد : واتصل الخبر بيزيد ، فكتب إلى عبيد الله بن زياد بتولية الكوفة ، فخرج من البصرة مسرعاً حتى قدم الكوفة على الظهر ، فدخلها في أهله وحشمه وعليه عمامة سوداء قد تَلَثَّم بها ، وهو راكب بغلة والناس يتوقعون قدوم الحسين فجعل ابن زياد يسلم على الناس فيقولون : وعليك السلام يا ابن رسول الله ! قدمْتَ خير مَقْدَم ، حتى انتهى إلى القصر وفيه النعمان بن بشير ، فتحصَّن فيه ، ثم اشرف عليه ، فقال : يا ابن رسول الله ما لي وما لك ؟ وما حملك على قصد بلدي من بين البلدان ؟ فقال ابن زياد : لقد طال نومك يا نعيم ، وحَسَرَ اللِّثام عن فيه ، فعرفه ، ففتح له ، وتنادي الناس : ابن مَرْجَانة ، وحَصَبوه بالحصباء ، ففاتهم ودخل القصر ، ولما اتصل خبر ابن زياد بمسلم تحول إلى هانئ بن عروة المرادي ، ووضع ابن زياد الرَّصَدَ على مسلم حتى علم بموضعه ، فوجه محمد بن الأشعث ابن قيس إلى هانئ فجاءه فسأله عن مسلم ، فأنكره فأغلظ له ابن زياد القول ، فقال هانئ : إن لزياد أبيك عندي بلاء حسناً ، وأنا احِبُّ مكافأته به ، فهل لك في خير ؟ قال ابن زياد : وما هو ؟ قال تشخص إلى أهل الشام أنت وأهل بيتك سالمين بأموالكم ، فإنه قد جاء حق من هو أحق من حقك وحق صاحبك ، فقال ابن زياد : أدنوه مني ، فأدنوه منه ، فضرب وجهه بقضيب كان في يده حتى كسر انفه وشق حاجبه ، ونثر لحم وجنته ، وكسر القضيب على وجهه ورأسه ، وضرب هانئ بيده إلى قائم سيف شرطي من تلك الشرط ، فجاذبه الرجل ، ومنعه السيف ، وصاح أصحاب هانئ بالباب : قتل صاحبنا ، فخافهم ابن زياد ، وأمر بحبسه في بيت إلى جانب مجلسه ، وأخرج إليهم ابن زياد شريحاً القاضي ، فشهد عندهم أنه حي لم يقتل ، فانصرفوا ، ولما بلغ مسلماً ما فعل ابن زياد