المسعودي

49

مروج الذهب ومعادن الجوهر

فعل فافعل به ما هو أهله ، وإن لم يفعل فافعل به ما أنت أهله ، فقال معاوية : قاتلك الله ! لقد سببت فأبلغت في السب ، ودعوت فبالغت في الدعاء ، ثم أمر به فأطلق ، وتمثل معاوية بأبيات للنعمان بن المنذر ، لم يقل النعمان غيرها ، فيما ذكر ابن الكلبي ، وهي : تعفو الملوك عن الجليل من الأمور بفضلها ولقد تُعَاقب في اليسير ، وليس ذاك لجهلها إلا ليعرف فضلها ويُخَاف شدة نكلها معاوية عند موته : وذكر لوط بن يحيى وابن دأب والهيثم بن عدي وغيرهم من نقلة الأخبار ان معاوية لما احتضر تمثل : هو الموت ، لا منجى من الموت ، والذي تحاذر بعد الموت أدهى وأفظع ثم قال : اللهم أقل العثرة ، واعتف عن الزلزلة ، وجُدْ بحلمك على جهل من لم يرج غيرك ، ولم يثق إلا بك ، فإنك واسع المغفرة ، وليس لذي خطيئة مهرب ، فبلغ ذلك سعيد بن المسيب ، فقال : لقد رغب إلى من لا مرغوب اليه مثله وإني لأرجو ان لا يعذبه الله . وذكر محمد بن إسحاق وغيره من نقلة الآثار أن معاوية دخل الحمام في بدء علته التي كانت وفاته فيها ، فرأى نحول جسمه ، فبكى لفنائه وما قد اشرف عليه من الدثور الواقع بالخليقة ، وقال متمثلًا : أرى الليالي أسرعت في نقضي أخذن بعضي وتركن بعضي حنَينَ طولي وحنَينَ طولي وحنَينَ عرضي أقعدنني من بعد طول نهضي ولما أزف أمره ، وحان فراقه ، واشتدت علته ، وأيس من برئه ، أنشأ يقول :